الجيش الوطني يعيد ترتيب قواعد الاشتباك ويوسّع نطاق الرد على التصعيد الحوثي
الأحد - 30 أغسطس 2026 - 10:51 ص
أحداث العالم ـ غرفة الأخبار
تشهد الجبهات اليمنية تحولًا ملحوظًا في طبيعة المواجهة بين الجيش الوطني ومليشيا الحوثي، مع تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة وتطور عمليات الرصد والاستهداف، بالتزامن مع استمرار الهجمات الحوثية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على مواقع عسكرية ومنشآت حيوية وممرات بحرية.
وخلال الأسابيع الستة الماضية، نفذت مليشيا الحوثي، وفق معطيات عسكرية ومراكز رصد، أكثر من 75 هجومًا بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة المفخخة، شملت استهداف ميناء المخا ومدينة الخوخة، إلى جانب هجمات طالت معسكرات في مأرب والعبر، فضلًا عن هجمات استهدفت سفنًا تجارية وأدت، وفق المعطيات، إلى مقتل أربعة بحارة على الأقل.
في المقابل، نفذ الجيش الوطني وتشكيلات المقاومة الوطنية وألوية العمالقة أكثر من 500 عملية قتالية ودفاعية وهجومية خلال الفترة نفسها، تركزت على تجمعات ومراكز قيادة وسيطرة تابعة للحوثيين في محاور الحديدة ومأرب وتعز والضالع والبيضاء.
المسيّرات تدخل العمليات الهجومية
ولا يقتصر التحول في المواجهة على زيادة عدد العمليات، إذ بدأ الجيش الوطني والقوات المناهضة للحوثيين توسيع استخدام الطائرات المسيّرة في العمليات الهجومية، بعدما كان استخدامها يتركز بصورة أساسية على الاستطلاع والرصد.
ويسمح هذا التطور باستهداف مواقع ذات قيمة عسكرية دون الحاجة إلى تنفيذ عمليات برية واسعة، خصوصًا في المناطق التي تنتشر فيها التحصينات والمواقع العسكرية الحوثية.
وتشير مصادر يمنية مطلعة إلى تشكيل لواءين متخصصين بالطيران المسيّر تابعين للقوات المسلحة اليمنية، في خطوة تعكس توجهًا نحو تعزيز قدرات الطائرات المسيّرة في العمليات القتالية المباشرة، إلى جانب مهام الاستطلاع والمراقبة.
وخلال الأيام الأخيرة، استُخدمت الطائرات المسيّرة لاستهداف ثكنات وتجمعات وعربات إمداد وخنادق تابعة للحوثيين، فيما أظهرت مقاطع مصورة جانبًا من هذه العمليات في عدد من الجبهات، أبرزها مأرب والجوف والبيضاء والساحل الغربي والضالع، إضافة إلى المناطق المحررة من محافظة حجة شمال غربي البلاد.
الساحل الغربي في واجهة التصعيد
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة في الساحل الغربي، حيث تتداخل المواجهة البرية مع التهديدات البحرية.
وأظهرت عمليات إسقاط طائرات استطلاع حوثية، وفق المعطيات، محاولة القوات المناهضة للحوثيين الحد من قدرة الجماعة على مراقبة المياه والاستعداد لتنفيذ هجمات بحرية باستخدام زوارق مفخخة.
وتشير هذه التطورات إلى أن الطائرات المسيّرة أصبحت جزءًا من منظومة أوسع للرصد والردع، تستهدف الحد من قدرة الحوثيين على فرض واقع عسكري جديد على الساحل الغربي وباب المندب، في ظل استمرار التهديدات التي تطال حركة الملاحة والمنشآت الحيوية.
ورغم التحركات الرامية إلى إعادة تنظيم القوات، لا يزال الجيش الوطني يواجه تحدي تعدد مراكز القوة العسكرية وتفاوت هياكل القيادة والسيطرة، في ظل وجود تشكيلات عسكرية متعددة تعمل ضمن المناطق والجبهات المختلفة.
ويضم المشهد العسكري القوات النظامية بقيادة الفريق صغير بن عزيز، والقوات المنتشرة في الساحل الغربي والمخا بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، إلى جانب قوات درع الوطن والتشكيلات الأخرى، والقوات العاملة في محاور تعز التابعة للمنطقة العسكرية الرابعة، فضلًا عن ألوية العمالقة والتشكيلات الجنوبية المنتشرة في لحج والضالع وشبوة بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي عبدالرحمن المحرمي.
وتمنح هذه التشكيلات القوات المناهضة للحوثيين قدرة على توزيع الضغط العسكري على أكثر من جبهة، لكنها في الوقت ذاته تجعل توحيد القيادة والسيطرة تحديًا مهمًا، خصوصًا في حال انتقال المواجهة من التصعيد المحدود إلى عمليات برية واسعة.
وفي ظل المعطيات الحالية، تبدو الحرب البرية الشاملة أقل ترجيحًا من استمرار التصعيد المحسوب، مع اتجاه الجيش الوطني والقوات المناهضة للحوثيين إلى استهداف مصادر التهديد بالصواريخ والمدفعية والطائرات المسيّرة، والرد على الهجمات الحوثية، مع تجنب فتح عمليات برية واسعة للسيطرة على مناطق جديدة.
وتتيح هذه المقاربة رفع كلفة الهجمات الحوثية دون الدخول في معركة واسعة يصعب احتواؤها، كما تمنح القيادة السياسية والعسكرية مجالًا للتحرك بالتوازي بين المسارين العسكري والسياسي والدبلوماسي.
غير أن استمرار الحوثيين في استهداف الملاحة والمنشآت الحيوية قد يفرض حسابات جديدة على الأرض، خصوصًا إذا تحول الضغط على حركة السفن في جنوب البحر الأحمر إلى تهديد دائم، أو تواصلت الهجمات على الموانئ والمنشآت الاقتصادية.
ويبرز الساحل الغربي، ولا سيما الحديدة، كأحد أبرز محاور التصعيد المحتمل، مع إمكانية تحول المواجهة إلى عمليات أوسع تستهدف الحد من قدرة الحوثيين على استخدام الساحل منصة للتهديد البحري.
وكشفت الهجمات الأخيرة على ميناء المخا عن جانب من الكلفة الاقتصادية للتصعيد، بعدما تسببت، وفق المعطيات، في توقف النشاط الاستراتيجي للميناء وإلحاق أضرار بالبنية التحتية، مع تقديرات أولية للخسائر بمليارات الريالات اليمنية.
ولا تقتصر تداعيات التصعيد على المنشآت العسكرية والاقتصادية، إذ يأتي في وقت يواجه فيه اليمن أزمة إنسانية واقتصادية حادة، بينما لا تزال خطة الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة تعاني فجوة تمويل تتجاوز 80 في المائة، بالتزامن مع موجات نزوح جديدة شهدتها مناطق في مأرب والساحل الغربي خلال الأسابيع الماضية.
وفي حال اتسعت المواجهة، فإن إغلاق الطرق والممرات الحيوية وتضرر الموانئ والمنشآت التجارية قد يضاعف الأعباء على السكان، ويزيد الضغوط على الاقتصاد في المحافظات المحررة، التي تواجه أصلًا ظروفًا اقتصادية ومعيشية صعبة.
وبين تصعيد الحوثيين واستمرار الرد العسكري المحسوب، تتجه الأنظار إلى الأسابيع المقبلة لمعرفة مدى قدرة الجيش الوطني والقوات المناهضة للحوثيين على تثبيت معادلة عسكرية جديدة، وما إذا كان توسيع استخدام الطائرات المسيّرة والضربات الدقيقة سيبقى في إطار الردع المحدود، أم يتحول إلى مقدمة لجولة عسكرية أوسع قد تكون الأكبر منذ هدنة عام 2022 وما تلاها من تهدئة هشة.