مقالات صحفية


"المواطأة" في نظام الطيبات: ما لم ينتبه له كثير من الناس وكشف الشبهات المثارة حوله

الجمعة - 19 يونيو 2026 - الساعة 10:35 م

عبدالرحمن محمود
الكاتب: عبدالرحمن محمود - ارشيف الكاتب



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الصادق الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

منذ أن بعث الله رسوله ﷺ والميزان الذي تُعرف به الحقائق هو الوحي، لا الأذواق ولا التجارب الشخصية ولا النظريات البشرية المتغيرة. فالله سبحانه هو الخالق، وهو الأعلم بما ينفع عباده وما يضرهم، ولذلك كان حق التحليل والتحريم والتشريع حقاً خالصاً لله وحده، لا يشاركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا عالم ولا طبيب ولا مفكر ولا حتى صاحب تجربة غذائية.

قال تعالى: "ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون"، وقال عز وجل: "أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله"، وقال: "ولا يشرك في حكمه أحداً".

ولهذا كان أهل العلم عبر القرون يقرّرون قاعدة عظيمة وهي أن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، وأن وظيفة العلماء ليست إنشاء الأحكام من عند أنفسهم، وإنما بيان ما دلت عليه نصوص الوحي.

أما في السنوات الأخيرة فقد ظهر من يقدم للناس أنظمة غذائية خاصة واجتهادات صحية متنوعة، وهذا في أصله أمر مباح، فمن حق أي إنسان أن يعرض تجربة غذائية ناجحة أو رؤية طبية أو اجتهاداً صحياً يفيد لشيء معين ومخصص له، والناس تقبل منه أو ترد عليه بحسب الأدلة العلمية والتجارب، كما في أنظمة الحمية والرجيم كالكيتو والكارنيفور وغيره.

لكن الإشكال يبدأ عندما تتجاوز المسألة حدود النصيحة الصحية إلى إعادة تعريف ما أحله الله لعباده، أو إنشاء تصنيف جديد للطيبات والخبائث يخالف ما جاء به القرآن.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية في طرح د.ضياء العوضي- رحمه الله وغفر له.

لذا دعونا أولا نتفق أن د. ضياء العوضي هو بشر يخطئ ويصيب يمكننا انتقاده، وأنه حتى لو تم اسكاته أو مضايقته او حتى لو ثبت قتله فإن هذا لا يثبت تلقائيا وليس شرطا أنه على حق أو دليل صحة منهجه العلمي، فالانسان ليس معصوم، فنحن ننتقد شخص وليس نبي يوحى إليه، فمثلا من زاوية أنه للأسف لم يكتفِ بالقول إن بعض الأطعمة قد لا تناسب بعض المرضى، أو أن بعض الأغذية قد تسبب مشاكل صحية لفئة معينة من الناس، كالمصابين بالحساسية الذين يتأثرون من السمك أو مرضى القولون الذين يتأثروا بالبقوليات، أو السكري وغيره؛ بل أنشأ نظاماً متكاملاً أطلق عليه اسم "الطيبات"، مع أن الله سبحانه قد سبق أن اختار هذا الاسم بنفسه لما أحله لعباده، أما اعتبار ما أحله الله وأدخله في دائرة الطيبات الشرعية ضاراً بطبيعته لجميع الناس أو إخراجه من دائرة الطيبات على وجه العموم، فهنا محل الإشكال الذي نناقشه ببحثنا.

قال تعالى: "اليوم أحل لكم الطيبات".

فالطيبات في القرآن ليست اسماً تجارياً ولا برنامجاً غذائياً ولا مدرسة علاجية، وإنما وصف شرعي لما أحله الله لعباده من الرزق.

ومن هنا تظهر خطورة استعمال الاسم نفسه مع تغيير المضمون.

وهنا يحضر للأذهان مثال آخر: ألا وهو "النسيء" الذي ذكره الله في كتابه الكريم.

فكفار قريش لم يكونوا ينكرون وجود الأشهر الحرم، ولم يكونوا يصرحون بإلغائها، وإنما كانوا يعبثون بها من خلال التقديم والتأخير والتبديل حتى تبقى الأسماء موجودة بينما تتغير الحقائق والأحكام.

قال تعالى: "إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله".

وتأمل قوله سبحانه: "ليواطئوا عدة ما حرم الله".

أي أنهم حافظوا نوعا ما على العدد والاسم الظاهري، لكنهم غيروا الحقيقة الشرعية التي أرادها الله.

فالمواطأة هنا ليست مجرد تغيير مباشر للحكم أو مصادمة له، بل إيجاد صورة مشابهة في الظاهر مع تغيير المضمون في الحقيقة، ومع ذلك وصف الله فعل أهل النسيء بأنه زيادة في الكفر لما تضمنه من التلاعب بالأحكام الشرعية، وهو ما يبين خطورة تغيير المعاني الشرعية أو العبث بها.

ووهذا هو وجه المواطأة الذي نراه كمنتقدين لطرح العوضي- رحمه الله وغفر له.

علما أن المقصود تشابه الصورة من جهة استعمال الاسم الشرعي مع تغيير مدلوله، لا التسوية بين الفعلين ولا الحكم على الأشخاص، حتى لا يساء الفهم.

فالله سمى ما أحله لعباده "الطيبات"، ثم للأسف يأتي شخص فينشئ نظاماً آخر بالاسم نفسه تقريباً ككيان مواز، لكنه يخرج منه أطعمة كثيرة أباحها الله، ويمنعها أو يذمها أو يحذر منها على نطاق واسع، فيصبح الاسم واحداً بينما المدلول مختلف، وهنا مكمن الخطر لأن فيه مضاهاة لشرع الله وهنا وقع بالمحظور عن جهل وبغير قصد كما نحسبه.

فالقرآن عندما يتحدث عن الطيبات يدخل فيها اللبن والسمك والحبوب والبقول والفواكه والخضروات وسائر الأرزاق المباحة.

أما في التصنيف الجديد فتخرج أصناف كثيرة من دائرة "الطيبات" رغم أن الله أدخلها فيها، ليس ذلك فحسب؛ بل وهنالك من الخبائث أدخلت في الطيبات كالتدخين.

وهنا وجه المواطأة الذي نتحدث عنه، أي مشابهة الاسم الشرعي مع تغيير المحتوى الشرعي.

فإذا كان تقسيم الأطعمة ينتهي عملياً إلى إدخال بعضها في دائرة الطيبات وإخراج بعضها الآخر منها، فكيف يمكن الفصل بين هذا التصنيف وبين المعاني الشرعية المرتبطة بالطيبات والخبائث؟

ولا يعني ذلك أبدا تكفير الرجل أو إخراجه من الإسلام البتة، فالتكفير باب خطير له شروطه وموانعه التي قررها أهل العلم، وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره على أن الحكم على المعين يختلف عن الحكم على الفعل أو القول.

بل إن الواجب هو بيان الخطأ والتحذير منه دون التسرع في الأحكام على الأشخاص حتى تقع عليهم الحجة في حياتهم، وليس بعد موتهم كالدكتور العوضي- غفر الله له والذي أخطأ في اجتهاده وجرأته كما يظهر لنا عن جهل وليس تعمد.

لكن الخطأ يبقى خطأ مهما كان قائله، فعلى المسلم أن يغار على شريعة الله ولا يسمح لأحد أن يكون ندا لها أو يقترب منها، وليعلم بأن ربنا سبحانه غيرته شديدة: ففي الحديث الصحيح: "إن الله يغار، وإن المؤمن يغار"، وورد أيضا: "ولاشخص أغير من الله".

ومن أعجب ما في هذا الطرح أن الله سبحانه امتدح بعض الأطعمة أو امتن بها على عباده، ثم يأتي النظام الغذائي ليجعلها في دائرة المنع أو الشك أو التحذير.

قال تعالى: "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده، والطيبات من الرزق"


فاللبن الذي يقول الله فيه: "وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين" أصبح عند العوضي طعاماً ينبغي اجتنابه.

والسمك الذي امتن الله به على عباده فقال جل في علاه: "أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم" أصبح يُغمز فيه ويُلمز ويُتهم معظمه بأنه من أسباب الالتهابات والأورام وعدد من الأمراض بغض النظر عن الافراط في أكله، بل ومنع منه أنواع وأنها ليست مخصصة للأكل وسمح بأنواع أخرى.

قال تعالى: "قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون"

ويذكّر هذا من حيث المبدأ بما ذمه القرآن من إنشاء تصنيفات في الأطعمة والأنعام لم يأذن بها الله، مع الفارق بين الحالتين.

وقال عز وجل: "ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون"


من ناحية أخرى ثبت في صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: (رَأَيْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَأْكُلُ دَجَاجًا)؛ بينما العوضي يرى منعه، بل ويقول هو خلق للزينة وليس للأكل بكل أحواله سواء البلدي أم دجاج المزارع وليس كما يزعم البعض كذبا أنه منع فقط ما يتم تربيته بالمزارع بسبب ما يسمونه هرومونات ومضادات وغيره، بل منع أصل الدجاج، ومن ناحية يقول سبحانه وتعالى: "ولحم طير مما يشتهون" ومعلوم أن أكل الجنة هو يشابه أكل الحياة الدنيا لقوله تعالى: " كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها"؛ أي يشبهه في الشكل والاسم، ولكنه يتفوق عليه في المذاق.

وهكذا فإن ما يتولد منه وهو "البيض" يأخذ حكم أصله في الحِل والطهوّرة بموجب القاعدة الفقهية "التابع تابع" فالبيض تابع لأصله في الحل، وقد أجمعت الأمة على إباحته.

فالرجل عرف عنه التقلب فدائما ما تتبدل أقواله رحمه الله فلم نعد ندري على ماذا رسخ بالأخير، ولو كان عاش كم كان سيضيف ويبدل ويتراجع عن بعض الأصناف بناء على ما رأيناه من تقلبات في المقاطع المتداولة، بل إن التناقض لديه يبلغ درجة غريبة حين يُمنع البيض ثم يُسمح بالمايونيز مع أن المايونيز مصنوع أساساً من البيض.

فإذا كان البيض ضاراً بطبيعته فلماذا لا يكون المايونيز كذلك؟

وإذا كان المايونيز مباحاً فلماذا يحرم أصله؟

وهذه التناقضات تكشف أن المسألة ليست قائمة على أصول منضبطة بقدر ما هي قائمة على اجتهادات متغيرة.

وهكذا يستمر التناقض يمنع كثيرا من المباحات كمنعه للحليب وتحليله للجبنة السائلة، وكالطماطم يمنعه ويحلل الكاتشاب الذي يصنع منه، وغير ذلك بحسب ما نُقل عنه.

أما استدلاله بقصة بني إسرائيل لتحريم العدس والبصل والبقول والقثاء فهو من أغرب الاستدلالات.

فالله تعالى يقول عن بني إسرائيل: "أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير".

فهل معنى ذلك أن العدس حرام؟

وهل البصل أصبح من الخبائث؟

وهل القثاء صار مذموماً شرعاً؟

لا أحد من المفسرين قال بهذا.

وإنما كان بنو إسرائيل قد مُنحوا رزقاً خاصاً معجزة من السماء هو المن والسلوى، فأرادوا استبداله بأطعمة الأرض المعتادة.

فكانت المقارنة بين رزق سماوي معجز وبين طعام أرضي مألوف.

ولذلك كان الأدنى أدنى بالنسبة إلى المن والسلوى، لا أنه أدنى في ذاته.

وقد أحسن من قال:

ألم تر أن السيف ينقص قدره
إذا قيل إن السيف أمضى من العصا

فالعصا لا تساوي السيف، وإنما المقارنة الخاصة هي التي أوهمت ذلك.

أما جعل العدس والبصل والبقول والقثاء من الأطعمة المذمومة شرعاً؛ فذلك فهم لا يعرفه أحد من علماء الأمة قديما أو حديثا.

بل حتى النبي موسى -عليه السلام قال بالوحي لقومه لما أرادوا استبدال الطعام المنزل من السماء: "اهبطوا مصر فإن لكم ما سألتم" ولم يحرمها عليهم.

ثم إن الله سبحانه ذكر الزروع والثمار والبقول والأغذية النباتية في معرض الامتنان على عباده.

قال تعالى: "فلينظر الإنسان إلى طعامه"، ثم ذكر الحبوب والعنب والزيتون والنخل والفاكهة والأبّ.

وقال سبحانه: "متاعاً لكم ولأنعامكم".

وقال جل في علاه: "زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم"

فكيف يمتن الله بها على عباده ثم يأتي من يجعلها في دائرة الاتهام العام والمنع أيضا؟

وسيقول بعض أتباع العوضي: لكن كثيراً من الناس تحسنت صحتهم بعد اتباع النظام، مع أن البعض بالعكس تضرروا وهنالك حالات وفاة حسب تقارير رسمية.

وبالتالي فإن الجواب عليهم أن هذا لا يثبت صحة فلسفة النظام حتى من الناحية الطبية.

فنجاح العلاج مع حالات فردية لا يعني صلاحيته للجميع؛ نظراً لاختلاف الأمراض والأجسام، والتجارب الشخصية لا تكفي لبناء منهج طبي عام، فما ينفع شخصاً قد يضر غيره.

فكثير ممن اتبعوا النظام تركوا الدقيق الأبيض والمشروبات الغازية والأطعمة فائقة التصنيع، فهذه من ايجابيات النظام ووافق فيها الكثير من الأطباء لنكن منصفين.

ومن الطبيعي أن يتحسن بعضهم بعد ترك هذه الأشياء.

لكن هذا لا يعني أن سبب التحسن هو ترك اللبن أو البيض أو السمك أو البقول.

بل قد يكون سبب التحسن هو التخلص من الأغذية المصنعة الحديثة كالغازيات والدقيق الابيض التي ثبت ضرر كثير منها.

فلو أن شخصاً كان يأكل الخبز الأبيض والحلويات والمشروبات الغازية المصنعة يومياً ثم توقف عنها، فمن الطبيعي أن تتحسن صحته حتى لو لم يترك اللبن أو البيض أو العدس.

ولهذا فإن الاستدلال بالتحسن الفردي لا يكفي لإثبات أن الأطعمة التي أباحها الله أصبحت مضرة لجميع البشر دون استثناء، كما أن تحسن بعضهم في شيء قد يضرهم في شيء آخر مستقبلا بسبب افتقادهم لبعض الفيتامينات والمعادن التي يفتقر بها نظام العوضي.

والناس يختلفون بحسب أمراضهم وأجسامهم وأعمارهم.

فقد يُمنع مريض الكلى من أطعمة معينة.

ويُمنع مريض النقرس من أطعمة معينة كاللحوم الحمراء التي هي أساسا لا يحذر منها العوضي.

ويُمنع مريض الحساسية من أطعمة معينة كالبيض والسمك.

لكن هذا منع طبي لظرف خاص، وليس تحريماً عاماً.

فالفرق كبير جدا بين أن يقول الطبيب: هذا الطعام لا يناسب حالتك.

وبين أن يقال للناس كافة: هذا الطعام ليس من الطيبات.

فهنا يبرز سؤال مهم: إذا أخرجت أطعمة أباحها الله من دائرة الطيبات ودُعي الناس إلى اجتنابها على وجه العموم، فإلى أي مدى يختلف ذلك عملياً عن إنشاء تصنيف موازٍ لما أحله الله؟


ومن أكثر ما يثير الاستغراب في هذا الباب التهوين من أضرار التدخين والسجائر.

ففي الوقت الذي تُشن فيه الحملات على الطيبات الشرعية المذكورة في كتاب الله كاللبن والسمك والبقول والزروع، نجد تساهلاً مع السجائر رغم أن شركات التبغ نفسها أقرت منذ عقود بارتباط التدخين بالسرطان وأمراض القلب والرئة والسكتات الدماغية وغيرها من الأمراض الخطيرة، وهكذا مخالفته لما دل عليه الشرع في أخذ الأدوية والتداوي وأن لكل داء دواء معين، كما صح عنه ﷺ قوله: "لكل داء دواء، فاذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله" وقوله ﷺ: "تداووا عباد الله"، ناهيك أن هنالك حالات كثيرة أسعفت للمشفى بسبب نصيحته بترك الانسولين وبعضهم فارق الحياة.

إذا فكيف تصبح أطعمة أباحها الله وأشياء دل عليها الشرع موضع اتهام، بينما يُخفف الحديث عن منتج كالدخان الذي أجمع العلماء والأطباء والهيئات الصحية العالمية على أضراره، بما فيهم مصنعوه؟!

إن الواجب على المسلم أن يفرق بين الوحي وبين التجربة البشرية.

فالتجارب الطبية تؤخذ وتناقش وتقبل وترد بحسب الأدلة.

أما ما أحله الله في كتابه فلا يملك أحد مهما حصل أن يخرجه من دائرة الحلال أو الطيبات أو إعادة تعريفه لمجرد اجتهاد شخصي أو تجربة فردية أو دراسة علمية.

ولذلك فإن الاعتراض الحقيقي على طرح العوضي ليس لأنه يدعو إلى نظام غذائي أو ترك بعض الأغذية المصنعة، فهذه أمور قد يناقش فيها المختصون، وإنما لأنه أنشأ مفهوماً موازياً لمفهوم الطيبات الذي جاء به القرآن، وأدخل فيه وأخرج منه وفق تصنيف بشري، مع ما في ذلك من مواطأة للاسم الشرعي مع اختلاف المضمون، على نحو يذكر بما فعله أهل الجاهلية في قضية "النسيء" والمواطأة، وذاك حين حافظوا على الصورة الظاهرة للأشهر الحرم وغيروا الحقيقة التي أرادها الله.

كما أن الطيبات يقابلها بالضرورة على الجهة الأخرى الخبائث، فإذا هي واضحة فنحن أمام طيبات وخبائث لا خيار وسط بينهما، فما الحكم لكلا منهما؟!

يقول تعالى: (يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) يعني هو تحريم وتحليل ولكنه ليس تصريحا وإنما تورية، كما يقال: من خلف الستار، والله المستعان، ونزيدكم أيضا من الشعر بيت، قوله تعالى عن الخمر: "فاجتنبوه" العلماء يجمعون على أن الاجتناب يعد تحريما، وهكذا بالقياس الامتناع يعد تحريما، ومثال آخر، قوله تعالى: "وقالوا هذه أنعام وحَرث حجْر لا يطعمها إِلا من نشاء بزَعمهم" فالمفسرون متفقين على أن معنى "حجر" هو "المنع" لبعض الأنعام والزروع وقالوا بأن المقصود منه التحريم، بل حتى إن المشركين حين قاموا بتخصيص التحريم لنسل الإناث دون الذكور فإنهن خالفوا الشرع: "خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا" فما بالكم بمن منع الجميع دون استثناء؟!، وقد أشار العوضي إلى ضرورة الإيمان بما جاء به في إحدى مقابلاته فقال ما نصه: (أنا حققت حاجة أكبر من العادي ومش مستني حكم من أحد؛ أنا مستني حد *يا يؤمن يا يكفر!!)*، حتى أن بعض الأخصائيين النفسيين صنفوا أن لديه علامات داء العظمة بموجب كلامه هذا وغيره، يمكنكم البحث عن كلامه بمقاطعه المنتشرة عبر الانترنت، إذا فالمسألة لها بعد عقدي خطير شئنا أم أبينا.



ختاما: لسنا نزعم أن كل ما في نظام العوضي باطل، بل قد يشتمل على نصائح نافعة في بعض الجوانب، وقد شجع الناس لمبدأ الانتقائية وأخذ ما يناسبهم، كما أنه قد يشتمل على أخطاء في جوانب أخرى، لكن محل الاعتراض هو تجاوز حدود النصح الغذائي إلى إعادة تعريف مفهوم الطيبات الذي حدده الوحي، وجعل بعض ما أحله الله داخلاً في دائرة المنع أو الذم العام، فإن هذا الباب يجب أن لا يُمسّ وأن يبقى منضبطاً بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ لا بالتجارب الشخصية ولا حتى بالدراسات العلمية مهما بلغت شهرتها.

ومن هنا جاءت تسمية هذا المقال بـ(المواطأة)، لأن موضع الإشكال ليس مجرد الخلاف الغذائي، بل استعمال الاسم الشرعي نفسه مع إعادة تشكيل مدلوله ومضمونه، وهو ما يستحق التأمل والنقاش والنصح والتحذير بعيداً عن التعصب الأعمى للأشخاص.

ويبقى الأصل الذي لا يجوز أن يغيب عن المسلم: أن الله أعلم بخلقه من أنفسهم، وأن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، وأن كل رأي بشري كائناً من كان صاحبه يُعرض على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فما وافقهما قبل، وما خالفهما رد على قائله، مهما كانت شهرته أو عدد أتباعه أو قصص النجاح المنسوبة إليه.




شاهد ايضا


أمن شبوة: دعم التحالف العربي عزز الاستقرار الأمني وأسهم في تحصين الجبه ...

الجمعة/19/يونيو/2026 - 10:45 م

أشادت الأجهزة الأمنية بمحافظة شبوة بالدعم السخي والمتواصل الذي تقدمه قيادة قوات التحالف العربي لدعم الشرعية، بقيادة المملكة العربية السعودية، مؤكدة أن


منتدى أكاديميي تهامة يقر تشكيل هيئته الإدارية الجديدة ويؤكد مواصلة تطو ...

الجمعة/19/يونيو/2026 - 10:27 م

عقد منتدى أكاديميي تهامة اجتماع جمعيته العمومية عن بُعد خلال الفترة من 11 إلى 16 يونيو 2026م، بمشاركة واسعة من الأكاديميين والباحثين أعضاء المنتدى، وذ


رئيس مجلس القيادة يشيد بمواقف القيادة السعودية الى جانب الشعب اليمني ...

الجمعة/19/يونيو/2026 - 08:55 م

عبر فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي باسمه وإخوانه أعضاء المجلس والحكومة والشعب اليمني، عن خالص الشكر والتقدير لأخيه