مقالات صحفية
ذمار.. حكاية في معركة استعادة الجمهورية
الخميس - 29 أكتوبر 2026 - الساعة 01:50 ص
على بعد مئة كيلومتر جنوب العاصمة صنعاء، تتربع محافظة ذمار على مساحة تقارب تسعة آلاف وأربعمائة وخمسة وتسعين كيلومتراً مربعاً، لتشكل ليس فقط جسراً جغرافياً وحيوياً يربط بين شمال اليمن وجنوبه، بل قلعةً متينة من قلاع الشموخ التي لطالما غذت الوجدان اليمني بالرجال الأحرار والمواقف المصيرية. إنها الأرض التي أنجبت تواريخ كبرى، بدءاً من أمجاد الملك الحميري أسعد الكامل الذي وحد مملكة حمير وضم وسط الجزيرة العربية، مروراً بمسيرة نضالية عريقة امتدت لتعانق الثورة والجمهورية، وصولاً إلى محطات الصمود الأسطورية في وجه الانقلاب والكهنوت.
لم يكن أبناء ذمار بمعزل عن صناعة التحولات الوطنية الكبرى؛ فقد سطروا ملاحم خالدة في الدفاع عن ثورة السادس من سبتمبر الخالدة. وبرزت أسماء وطنية لامعة كأمثال عبد العزيز أحمد السماوي، أحد أوائل المدافعين الذي شارك في فك حصار السبعين، ومحمد أحمد شرهان، وأحمد محمد ذعفان من الضباط الأحرار الذين تصدوا للملكيين في نقيل يسلح. وحين انقلبت مليشيات الحوثي الارهابية على العاصمة صنعاء عام 2014، كانت ذمار سباقة في الرفض الشعبي والمدني، إذ خرجت مسيرات شعبية رافضة في أغسطس من ذلك العام، قبل أن تخضع عاصمتها لسيطرة الحوثيين في أكتوبر 2014 وسط ظروف معقدة وغياب لتكافؤ القوى.
لكن السقوط المدني لمغنِ قط خنوعاً عسكرياً أو سياسياً؛ إذ تحولت المحافظة إلى بؤرة للمقاومة المستمرة، مسجلة مئات العمليات النوعية بين عامي 2015 و2016. وبرزت محطات مضيئة في تاريخ المقاومة المحلية، كإعلان مقاومة "آزال" تحرير مديرية عتمة غرب ذمار في أغسطس 2015 بقيادة الشيخ المناضل عبدالوهاب معوضة، الذي قاد معارك ضارية في قلب مناطق السيطرة الحوثية وقدم تضحيات جساماً شملت تفجير منازله، فضلاً عن تشكيل المجلس الأعلى للمقاومة من نخبة من الشخصيات الوطنية والعسكرية والقبلية والحزبية. وعلى الصعيد العسكري، جُهز اللواء 203 مشاة من أبناء مديريات ذمار الاثنتي عشرة استعداداً لمعركة التحرير بإشراف الجيش الوطني، وتوافقت قيادات المؤتمر الشعبي العام وقبائل ذمار على إعلان الدعم الكامل للشرعية، ليستمر هذا الزخم بانضمام مئات القبائل إلى جبهات الشرف والكرامة تباعاً.
وتتزاحم في ذاكرة هذا الصمود أسماء قامات وطنية وعسكرية فارقة، وفي مقدمتهم الفريق الركن محمد علي المقدشي، مؤسس الجيش الوطني اليمني الذي أعاد بناءه من العبر إلى مأرب وقاد العمليات الميدانية، والشهيد اللواء أمين الوائلي ابن وصاب العالي الذي قاد المنطقة العسكرية السادسة واستشهد في الصفوف الأمامية بمأرب عام 2021، إلى جانب اللواء عبد الكريم السدعي، القائد الميداني الذي قاد لواء العروبة ومحور مران وتولى قيادة الفرقة السادسة لقوات الطوارئ، فضلاً عن السياسي المربّي والشهيد حسن اليعري الذي تجاوز تأثيره حدود المحافظة، وآخرين ممن ثبتوا كجبال الدن والدامغ واللسي.
في المقابل، دفع أبناء ذمار ثمناً باهظاً جراء مواقفهم الثابتة؛ حيث وثقت المنظمات الحقوقية نحو أربعة وعشرين ألفاً وثمانمائة وسبع وعشرين واقعة انتهاك ارتكبتها جماعة الحوثي بحق المدنيين والممتلكات في مختلف مديريات المحافظة خلال الفترة من يناير 2015 حتى العاشر من نوفمبر 2025، وشملت تفجير واقتحام منازل قيادات وطنية بارزة كمنزل القيادي عبدالعزيز جباري ومنزل اللواء محمد علي المقدشي.
اليوم، يواصل أبناء ذمار في المناطق المحررة وخارجها رسم لوحة الوفاء للوطن، متصدرين المشهد كأول المستجيبين لدعوة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي إلى النفير العام والتعبئة، ومؤكدين تأييدهم المطلق لعملية «فجر اليمن» وإسناد القوات المسلحة حتى استعادة العاصمة صنعاء وبقية ربوع الوطن.
ويبقى صوت ذمار العبقري، الشاعر الكبير عبدالله البردوني، خالداً يختصر ملحمة الكرامة والرفض لكل أشكال الوصاية والكهنوت، حين غنى للجمهورية الفجر الجديد:
فولّى زَمانٌ كَعِرْضِ البَغِيِّ ... وأَشْرَقَ عَهْدٌ كَقَلْبِ النَّبِي
طَلَعْنَا نُدَلِّي الضُّحَى ذَاتَ يَوْمٍ ... وَنَهْتِفُ: يَا شَمْسُ لا تَغْرُبِي!