مقالات صحفية
المعركة للجميع
الجمعة - 25 سبتمبر 2026 - الساعة 05:36 ص
نحن أمام معركة وطنية مفتوحة مع جماعة مسلحة مدعومة إقليميًا ودوليًا، ومعركة بهذا الحجم تحتاج إلى دولة تعيد ترتيب أولوياتها وفق متطلبات الحرب واستعادة الدولة.
لم نعد بحاجة إلى تضخم المسميات والمناصب الوزارية والدبلوماسية والملحقيات بالشكل الذي نراه اليوم، بقدر حاجتنا إلى توجيه كل الإمكانات المتاحة لدعم الجيش والمقاومة، وتوفير السلاح والمعدات والاحتياجات الأساسية للمقاتلين والجرحى وأسر الشهداء.
أما السفارات، فوظيفتها الأساسية في زمن الحرب يجب أن تكون العمل السياسي والدبلوماسي الحقيقي: بناء المواقف الدولية، وكشف انتهاكات الحوثيين، ومواجهة خطاب الجماعة، وإعداد التقارير المهنية، وتحشيد الدعم السياسي والإنساني والعسكري للدولة اليمنية.
إذا كان دبلوماسيون أجانب يذهبون إلى صنعاء، ويلتقون الحوثيين، ويستمعون إلى روايتهم، ويعدون تقاريرهم، فمن حقنا أن نسأل: أين الحضور الدبلوماسي اليمني القادر على إيصال رواية الدولة إلى العالم؟ وأين التقارير المهنية التي تضع المجتمع الدولي أمام حقيقة ما يجري في اليمن؟
نحن لا نحتاج سفارات تتحول إلى وظائف عائلية أو مواقع للمحسوبية، بل نحتاج دبلوماسيين يمتلكون الكفاءة والخبرة والقدرة على خوض المعركة السياسية والإعلامية في الخارج.
والأهم من ذلك: نحتاج عدالة في تحمل أعباء الحرب.
لا يمكن أن يبقى المواطن البسيط يدفع أبناءه إلى الجبهات، بينما المسؤول الذي يشغل منصبًا حكوميًا أو دبلوماسيًا يعيش بعيدًا عن معاناة المقاتلين، ولا يكون له أو لأسرته أي حضور في هذه المعركة.
لا أقول إن كل وزير أو مسؤول يجب أن يرسل ابنه إلى الجبهة باعتباره واجبًا قانونيًا، لكنني أقول إن من يتولى مسؤولية وطنية في زمن الحرب يجب أن يكون حاضرًا بين الناس، وأن يشعر بمعاناة المقاتلين وأسرهم، لا أن تكون الحرب واجبًا على الفقراء وحدهم.
اليوم، الجبهات فيها أبناء من مختلف المحافظات اليمنية، شمالًا وجنوبًا، لكنني أرى في مقدمة المشهد أبناء البسطاء، ومن يحبون وطنهم، يتنافسون على القتال وتحمل المخاطر والدفاع عن البلاد. وفي المقابل، يحق لنا أن نسأل: أين أبناء بعض المسؤولين في الحكومة والوزارات والوكالات والمحافظات من هذه التضحيات؟
ونحن نعرف أن أبناء بعض الوكلاء والوزراء تقاسموا منحًا دراسية وفرصًا تعليمية في دول أوروبية وتركيا ودول الخليج، في مجالات عسكرية وأمنية ونفطية ومدنية، بينما أبناء آخرون من هذا الوطن اختاروا الجبهة طريقًا لهم، وقدموا أعمارهم ودماءهم دفاعًا عن الدولة.
وهنا لا أتحدث عن المنح الدراسية باعتبارها خطأ في ذاتها، ولا عن أبناء المسؤولين باعتبارهم مسؤولين عن مواقع آبائهم، وإنما أتحدث عن سؤال العدالة في توزيع الفرص والتضحيات، وعن شعور المقاتل البسيط بأن الدولة التي يدافع عنها تنظر إليه كما تنظر إلى أبناء أصحاب النفوذ.
ولا أحد يقول لي: وماذا عن سلطان العرادة؟ فأنا لا أتحدث عنه، ولا عن أهل مأرب من شيوخ وقيادات ومسؤولين وأبناء قبائل ومواطنين. هؤلاء جميعًا قدموا تضحيات، وكان لهم حضور في هذه المعركة، ولا أقصدهم بهذا الحديث. حديثي عن الجميع بلا استثناء، والعرادة وأهل مأرب شيوخ كبار ومسؤولون، وكلهم مضحون، ولا يصح أن يُفهم هذا المقال على أنه يستهدف من وقفوا وقدموا وضحوا.
نحن لا نتحدث عن خيالات ولا عن قصص من خارج الميدان، نحن نتحدث عن واقع رأيناه داخل الجبهات، وعن أسر دفعت أثمانًا باهظة في هذه الحرب.
نعم، هناك عسكريون أخذوا أبناءهم، فلذات أكبادهم، إلى الجبهات. هناك آباء وأبناء قاتلوا في الخندق نفسه، وأمهات كنّ في الميدان يساندن ويشجعن ويدعين لأبنائهن.
هناك من استشهد ابنه أمام أبيه، فدفنه والده ثم عاد إلى المعركة. وهناك أب استشهد أمام ابنه الذي لم يتجاوز العشرين عامًا، فواصل الابن القتال حتى لحق بأبيه شهيدًا، وبقيت الأم وأطفال صغار بلا معيل.
هذه ليست روايات نسمعها من بعيد، بل قصص رأيناها وسمعنا أصحابها في الجبهات.
وأحد الجنود قال لي إنه رأى والده أمام عينيه أثناء المعركة، خلال التقدم في جبهة رغوان، وإن والده أُسر بعد إصابته، بينما واصل هو القتال مع الأبطال حتى أُصيب هو الآخر، ولم يستفق إلا بعد شهرين.
وعندما عاد إلى وعيه وجد أن أمه وإخوته الصغار يواجهون ظروفًا صعبة، لكنه قال إن أمه كانت الأقوى وما تزال صامدة، وإن والده سيعود، وإنهم خرجوا من أجل الوطن ولن يتراجعوا حتى استعادة الدولة.
هذه هي التضحيات التي نتحدث عنها.
هذه ليست كلمات تقال في المهرجانات، ولا شعارات تُرفع في المناسبات، بل حياة أسر تغيرت، وأبناء فقدوا آباءهم، وآباء فقدوا أبناءهم، وأمهات وجدن أنفسهن أمام مسؤولية أطفال صغار بعد أن غاب المعيل.
ولهذا أقول: لابد أن تشمل المعركة الجميع، وأن يتساوى الجميع في تحمل مسؤوليتها.
لا يمكن أن تكون الحرب واجبًا على فئة محددة من أبناء اليمن، بينما تبقى فئات أخرى بعيدة عن تبعاتها.
لكن المسؤولية الوطنية لا تقع على المسؤولين وحدهم، بل تمتد إلى التجار والمشايخ والشخصيات الاجتماعية والاعتبارية، وكل من يملك قدرة على الإسناد. فالوطن ليس مسؤولية الحكومة وحدها، ولا الجيش والمقاومة وحدهما، وإنما مسؤولية كل قادر على أن يقدم شيئًا، بالمال أو الموقف أو الدعم أو الإسناد أو أي وسيلة تخدم هذه المعركة.
نحن بحاجة إلى مقاتلين، وإلى دعم حقيقي للمقاتلين، وإلى جهد سياسي ودبلوماسي وإعلامي منظم يخدم معركة استعادة الدولة.
وإذا كان هناك مسؤول أو وزير أو وكيل أو سفير أو أي مسؤول في مؤسسات الشرعية، فمن حق الناس أن يسألوا عن دوره ودور مؤسسته في هذه المعركة، وعن حجم إسهامه في دعم الدولة والمجتمع والجيش والمقاومة.
نعرف مسؤولين لم نر لهم أثرًا واضحًا في الميدان، ولم نر حضورًا لأقاربهم في صفوف الشرعية، وفي المقابل نعرف أسرًا قدمت أبناءها واحدًا تلو الآخر.
وهنا تكمن المشكلة: لا نريد أن يدفع أبناء الفقراء وحدهم ثمن الحرب، بينما تُصرف أموال كبيرة على المسؤولين والمناصب والمسميات.
نحن بحاجة إلى مراجعة حقيقية لطريقة إدارة الدولة في زمن الحرب.
لا أتحدث عن إلغاء الدولة ومؤسساتها، وإنما عن إعادة ترتيب الأولويات، وتقليص العبء الإداري غير الضروري، وتوجيه الموارد نحو الجبهات والجرحى وأسر الشهداء والنازحين والخدمات الأساسية، مع الحفاظ على المؤسسات التي لا يمكن للدولة الاستغناء عنها.
والسفارات أيضًا يجب أن تؤدي وظيفتها الحقيقية: عمل دبلوماسي مهني، وتقارير، وتواصل سياسي، وحشد للمواقف الدولية، وكشف الانتهاكات، والدفاع عن قضية الدولة اليمنية، بعيدًا عن المحسوبية والوظائف العائلية.
أما أن نوسع المناصب والمسميات والملحقيات، بينما المقاتل في الجبهة يحتاج إلى أبسط احتياجاته، فهذا يحتاج إلى مراجعة.
نحن أمام حرب دخلت عامها الثاني عشر، ولم يعد مقبولًا أن تستمر عقلية الأعذار والمجاملات والمحاباة.
ومن يختار الوقوف مع الحوثيين فهو يتحمل مسؤولية موقفه، ومن يعلن دعم الشرعية فعليه أن يترجم هذا الدعم إلى موقف وعمل وتضحية، كلٌّ بحسب موقعه وقدرته.
لقد مرت سنوات الصراع الطويلة لتسقط كثيرًا من الأقنعة والمنطقة الرمادية. ولم يعد هناك عذر لمن يمسك العصا من المنتصف، ولا مبرر لاستمرار المجاملات لشخصيات ومسميات لا يلمس الناس أثرًا حقيقيًا لدورها في هذه المرحلة.
لا نريد ظلم أحد، ولا نريد تحويل المسؤولية الوطنية إلى معيار انتقامي ضد أبناء المسؤولين، لكننا نريد عدالة في تحمل الأعباء، وشفافية في توزيع الموارد، ومساءلة للمسؤول عن أدائه، سواء كان وزيرًا أو وكيلًا أو سفيرًا أو مسؤولًا عسكريًا أو مدنيًا.
نريد أن يكون المنصب مسؤولية قبل أن يكون امتيازًا، وأن تكون الوظيفة العامة واجبًا قبل أن تكون بابًا للمكاسب.
وتعبنا من العبث، ونريد حسمًا، لكن الحسم لا يأتي بالمحاصصة والمجاملات، بل بدولة قوية، وقرار واضح، ومؤسسات تعمل، وجبهة عسكرية وسياسية وإعلامية متماسكة.
وإلى الرئيس رشاد العليمي: الوطن يحتاج إلى مراجعة وتصحيح وترتيب للأولويات. يحتاج إلى رجال يعملون، ومقاتلين يُدعَمون، ومؤسسات تؤدي واجبها، ودبلوماسية تتحرك، وإدارة توقف المحسوبيات، لا إلى مزيد من المسميات والمجاملات.
هذا الشعب لم يعد يحتمل أن يرى الفارق بين من يدفع الثمن ومن يدير المشهد من بعيد.
الأمهات في المخيمات والجبهات لا يحتجن إلى بيانات جديدة، بقدر حاجتهن إلى أفعال تشعرهن أن الدولة ترى دموعهن وتعرف حجم ما فقدنه.
والمقاتل في الخندق لا يريد خطابات عن التضحية فقط، بل يريد أن يرى الدولة إلى جانبه، وأن تصل إليه احتياجاته، وأن يعرف أن أسرته لن تُترك وحدها إذا أصابه شيء.
والدولة التي تريد من مواطنيها أن يقاتلوا من أجلها، عليها أن تكون حاضرة معهم في أصعب لحظاتهم.
هذه معركة وطن، ومن العدل أن يتحمل مسؤوليتها الجميع، كلٌّ من موقعه وبقدر قدرته، وأن يشعر المقاتل في الخندق أن الدولة التي يدافع عنها عادلة معه وليست بعيدة عنه.
وإلى القيادة السياسية والرئيس العليمي: هذا الشعب لم يعد يملك ما يخسره، والوطن بحاجة إلى قادة يتقدمون الصفوف، لا إلى محاصصة ومجاملات على حساب دماء الأبطال.
امسحوا دمعة الأمهات في المخيمات والجبهات بإرادة حقيقية تُنهي العبث، وتضع حدًا لهذه الفوارق، وتعيد ترتيب الدولة وفق متطلبات المرحلة.
فالمعركة ليست ملكًا لفئة، وليست واجبًا على الفقراء وحدهم، وليست مسؤولية الجندي وحده.
هي مسؤولية كل من يتولى موقعًا في هذه الدولة، وكل من يملك قدرة على التأثير، وكل من يستطيع أن يقدم شيئًا في سبيل تجاوز هذه المرحلة.
قد لا يستطيع الجميع حمل السلاح، لكن الجميع يستطيع أن يؤدي واجبه.
وقد لا يكون الجميع في الخندق، لكن الجميع يجب أن يكون في صف المسؤولية.
لابد أن تشمل المعركة الجميع، وأن يتساوى الجميع في تحمل أعبائها.