مقالات صحفية
الهيكلة والبناء: نحو عقد اجتماعي جديد في اليمن
الجمعة - 27 يونيو 2025 - الساعة 08:56 م
تعيش اليمن منذ سنوات في حالة من التصدع السياسي والاجتماعي العميق، نتيجة سلسلة من الأزمات المتراكمة، والانقسامات المتعددة، والتدخلات الإقليمية والدولية المتشابكة. ومع تعقّد المشهد الوطني وغياب أفق تسوية شاملة، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة بناء النظام السياسي على أسس جديدة، من خلال عملية مزدوجة تتمثل في إعادة هيكلة شاملة لمؤسسات الدولة، وإعادة تأسيس العقد الاجتماعي الذي يربط المواطن بالدولة. فبدون معالجة الخلل البنيوي في طبيعة السلطة وعلاقتها بالمجتمع، لن تكون أي تسوية سياسية قادرة على الصمود أو تحقيق الاستقرار.
الهيكلة السياسية لا تعني مجرد تغيير في الأسماء أو المناصب، بل تتطلب إعادة تنظيم شاملة لبنية الدولة وآليات الحكم، بما يضمن مبدأ الفصل بين السلطات، ويكرس الشفافية والمساءلة، ويعزز من قدرة الدولة على تمثيل مختلف الفئات والمناطق بشكل عادل. كما تشمل هذه الهيكلة إعادة تعريف أدوار المؤسسات السيادية، وتوزيع الصلاحيات بين المركز والأطراف وفق قواعد قانونية واضحة ومتوافق عليها. إن غياب هذه البنية الهيكلية الفعالة كان من بين الأسباب الرئيسية لانهيار الدولة، وتمزق النسيج الوطني، وتنامي النزاعات المسلحة بين المكونات السياسية والاجتماعية.
في المقابل، فإن إعادة تأسيس العقد الاجتماعي يُعد شرطًا بنيويًا لأي مشروع بناء وطني شامل. فالعقد الاجتماعي هو الإطار الذي يُحدّد طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويؤسس لشرعية الحكم، ويضمن حقوق المواطنين والتزاماتهم تجاه الدولة. وتجديد هذا العقد في الحالة اليمنية يقتضي التوافق على منظومة قيم ومبادئ دستورية جديدة، تقوم على المواطنة المتساوية، والتعددية، والتوزيع العادل للثروة والسلطة، وتكفل تمثيل جميع المكونات السياسية والاجتماعية دون إقصاء أو تهميش. وبذلك، يصبح العقد الاجتماعي ليس مجرد وثيقة قانونية، بل تعبيرًا عن الإرادة الجمعية في تأسيس دولة عادلة وشاملة.
إن العلاقة بين الهيكلة السياسية والعقد الاجتماعي علاقة عضوية لا يمكن فصلها. فالهيكلة تضع الأطر المؤسسية والإجرائية للحكم، بينما يوفر العقد الاجتماعي القاعدة الأخلاقية والشرعية التي تستند إليها تلك الأطر. وفي السياق اليمني، فإن أي مسار جاد للخروج من الأزمة الراهنة لا يمكن أن ينجح دون الجمع بين هذين المسارين معًا. إذ أن إعادة بناء المؤسسات دون إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع سيبقي على الأسباب الجوهرية للصراع، كما أن صياغة عقد اجتماعي جديد دون إصلاح البنية السياسية للدولة سيجعل هذا العقد بلا أدوات تنفيذية فعلية.
ختامًا، إن مشروع إعادة الهيكلة والبناء في اليمن ليس خيارًا إصلاحيًا ثانويًا، بل ضرورة تاريخية تمليها تعقيدات المرحلة، وتفرضها حاجة المجتمع اليمني للاستقرار والعدالة والتنمية. وهو مشروع لا يمكن أن يتحقق إلا عبر حوار وطني شامل، تشارك فيه جميع القوى والمكونات بروح المسؤولية والتجرد من المصالح الضيقة، من أجل تأسيس دولة حديثة تقوم على الشراكة والشفافية والمواطنة، وتستند إلى عقد اجتماعي جديد يعبّر عن طموحات اليمنيين في مستقبل آمن ومزدهر.