مقالات صحفية


المنطق المعكوس: قراءة في العقلية السياسية اليمنية

السبت - 20 سبتمبر 2025 - الساعة 11:32 م

مهند الغرساني
الكاتب: مهند الغرساني - ارشيف الكاتب




يبدو أن السياسة في اليمن، منذ عقود، تسير وفق منطقٍ غير مألوف؛ منطقٍ قد يصفه البعض بـ"المعكوس" وآخرون بـ"المقلوب". في أبسط تعريفاته، يشير المنطق إلى البنية الذهنية التي تنظّم التفكير والسلوك وفق قوانين عقلانية تهدف للوصول إلى نتائج سليمة. غير أن "المعكوس" أدق من "المقلوب" في توصيف الحالة اليمنية، لأنه لا يعني مجرد انقلاب المعايير، بل إعادة إنتاجها في صورة مشوّهة؛ حيث يُستدعى الشيء ليؤدي وظيفة عكس غايته الأصلية، فتُحوّل فرص السلام إلى مقدمات حرب، وتُختزل قيم الدولة إلى أداة للسلطة الفردية أو الجماعية.

العقل الجمعي السياسي اليمني، عبر مسيرته، عاش دورات متكررة من الفشل في بناء دولة المواطنة والحقوق والحريات. فمنذ الوحدة عام 1990م وحتى اللحظة، ظل الحلم بدولة عادلة يتبدد أمام واقع تغلب عليه الولاءات الضيقة، والتفسيرات الانقسامية للتاريخ، وغياب مشروع وطني جامع. هكذا تتكرّر "السيرورة" ذاتها ؛ انفراجة سياسية قصيرة، تعقبها أزمة، ثم صراع مسلّح، فحوار هش، قبل أن تبدأ دورة جديدة من التعثر.

أما العقل النخبوي السياسي، فقد تعامل مع الأزمات المتراكمة ببراغماتية مفرطة، كثيرًا ما بدت أقرب إلى المراوغة منها إلى الحكمة. على سبيل المثال، حين اندلع الصراع في 2014م، انشغلت القوى السياسية بتقاسم السلطة أكثر من انشغالها بترسيخ أسسها، وعندما فُرضت خارطة الطريق الأممية 2023م، لم تُقرأ كفرصة للسلام بل كمنصة جديدة للمناورة. وفي مرحلة ما بعد 2023م، تحوّل شعار "استعادة الدولة" إلى معارك متفرقة للسيطرة على الجغرافيا والموارد، بينما ظل بناء الدولة المؤسسية مؤجلًا إلى أجل غير مسمى.

تطرح هذه الوقائع فرضية خطيرة: أن العقل الجمعي السياسي اليمني يعاني من خلل بنيوي في التفكير. هذا الخلل يتجلى في عجزه عن إدارة الصراع أو بناء السلام بآليات عقلانية، حيث تُستبدل الحلول المستدامة بتكتيكات مؤقتة. على سبيل المثال، فشل النخب الحالية في إدارة عجلة الصراع والسلام تجسد في غياب رؤية مشتركة لإنهاء الحرب، رغم وضوح كلفتها الكارثية على المجتمع والدولة. ولا يمكن فهم هذه الإشكالية دون التطرق إلى تأثير المجتمع التقليدي والقبلي على الذهنية السياسية العامة. فالعقل السياسي اليمني، في جوهره، ظل أسيرًا لمنظومة قبلية تُقدّم الولاء للعشيرة على الولاء للوطن، وتحكمه ثقافة التسويات المؤقتة والثأرية، أكثر مما تحكمه مؤسسات القانون. هذا الإرث التقليدي حدّ من قدرة المجتمع على التحول إلى عقل سياسي حديث قائم على المواطنة المتساوية.

النتيجة أن السياسة اليمنية كثيرًا ما تُدار بضعف منطقي وغياب فلسفي. تغيب التحليلات العميقة لصالح الانفعالات اللحظية، وتُستبدل الفلسفة .بالعاطفة، فيتولد عن ذلك عقدتان متلازمتان: عقدة عاطفية تجعل القرار السياسي أسير اللحظة وردّ الفعل، وعقدة معرفية عاجزة عن إنتاج معرفة حقيقية تؤسس لمشروع دولة حديثة.

ختامًا، يمكن القول إن اليمن، في عمق أزمته، لا يواجه صراعًا سياسيًا وعسكريًا فحسب، بل أزمة أعمق في العقل السياسي ذاته. فالمنطق المعكوس الذي يهيمن على النخب والجماعات حوّل أدوات البناء إلى معاول للهدم، وأعاد إنتاج الفشل بدل تجاوزه. وإذا لم تُكسر هذه الحلقة الجدلية عبر تأسيس عقل سياسي جديد يجمع بين التفكير الفلسفي والعملي، فإن اليمن سيظل عالقًا في دوامة الحرب والسلام المؤجل، عاجزًا عن بلوغ الدولة المنشودة ومشروعها الجامع.




شاهد ايضا


عدن.. اللجنة الأمنية تخصص ساحة العروض للاحتجاجات وتحذر من إغلاق الطرق ...

الأربعاء/10/يونيو/2026 - 12:58 ص

أعلنت اللجنة الأمنية في العاصمة المؤقتة عدن تخصيص ساحة العروض بمديرية خور مكسر مكاناً لإقامة الفعاليات والاحتجاجات والتجمعات الجماهيرية السلمية، مؤكدة


تعز: تدشين برنامج تدريبي نوعي للشباب القيادي لتعزيز مهارات الخطاب السي ...

الثلاثاء/09/يونيو/2026 - 11:53 م

دُشِّن اليوم بمحافظة تعز البرنامج التدريبي النوعي للشباب القيادي في مهارات الخطاب السياسي، الذي تنفذه مؤسسة أوار للعدالة والتنمية بالشراكة مع مؤسسة فر


الضالع.. مقتل عنصر استطلاع حوثي خلال محاولة تسلل في جبهة مريس ...

الثلاثاء/09/يونيو/2026 - 11:26 م

قُتل أحد عناصر الاستطلاع التابعة لمليشيات الحوثي، إثر عملية عسكرية نفذتها قوات محور الضالع في جبهة مريس شمالي محافظة الضالع، أثناء محاولته التسلل إلى