مقالات صحفية
سيناريوهات عملية السلام اليمني
الجمعة - 10 أكتوبر 2025 - الساعة 12:34 ص
يعد فهم سيناريوهات عملية السلام في اليمن ضرورة استراتيجية لتقدير مسارات التسوية المحتملة، وتحديد العوامل الحاسمة لنجاحها أو فشلها. ومنذ الانقلاب الحوثي في سبتمبر 2014، شهدت اليمن صراعات متعددة الأبعاد، سياسية وعسكرية واجتماعية، ما جعل عملية السلام تتأثر بعوامل داخلية وإقليمية ودولية متشابكة. ويمكن تصنيف السيناريوهات الرئيسية على النحو التالي:
١- السيناريو السياسي اليمني-اليمني: يعتمد هذا السيناريو على التوصل إلى اتفاق داخلي شامل بين الأطراف اليمنية، بما يشمل الحكومة الشرعية، الحوثيين، المجلس الانتقالي الجنوبي، والمكونات السياسية الأخرى. يركز السيناريو على التوافق الوطني، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وضمان التمثيل العادل لجميع القوى السياسية والاجتماعية. ويشمل هذا السيناريو حوارًا وطنيًا موسعًا لإصلاح النظام السياسي، وتعديل شكل الدولة بما يحقق التوازن بين المركز والأقاليم، وتفعيل مؤسسات الأمن والجيش وفق أسس وطنية موحدة. يظل هذا السيناريو مرهونًا بمدى قدرة الأطراف على التنازل عن المكاسب الجزئية والتوافق على الصيغ الوطنية الجامعة، خصوصًا في قضايا مثل شكل الدولة، صيغة الحكم، والقضية الجنوبية.
٢- السيناريو الإقليمي والدولي: يعكس هذا السيناريو تأثير الوسطاء الدوليين والإقليميين، مثل الأمم المتحدة، المملكة السعودية، دولة الإمارات العربية المتحدة، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والولايات المتحدة الأمريكية، في دفع الأطراف اليمنية نحو اتفاق شامل. ويمكن أن يشمل الضغوط الدبلوماسية، الدعم المالي والفني، وفرض آليات مراقبة لضمان تنفيذ الاتفاقات. ويعتمد هذا السيناريو على قدرة المجتمع الدولي على التنسيق بين الضغوط والعروض الإيجابية لتحقيق التوازن، مع مراعاة المصالح الإقليمية والدولية، خصوصًا في ضوء المنافسات بين القوى الكبرى وتأثيراتها على مسار التسوية.
٣- السيناريو العسكري أو فرض الواقع بالقوة: يتعلق هذا السيناريو باستخدام القوة العسكرية كأداة لتشكيل أرضية تفاوضية من قبل الحكومة الشرعية المدعومة اقليميا ودوليا "ويفترض هذا السيناريو أن تشهد الفترة القريبة القادمة اندلاع معركة عسكرية شاملة، تشارك فيها مختلف القوات والتشكيلات العسكرية، وفق خطة وقيادة موحدة، حيث ينسجم هذا السيناريو في فرضيته هذه مع اتجاهات الأحداث في المنطقة والسياسات الدولية تجاهها، فيما يتعلق بإنهاء نفوذ إيران في المنطقة وبتر اذرعها في لبنان وسوريا، كما يشير إلى هذا السيناريو تصريحات رئيس مجلس القيادة الرئاسي بأن عام 2025م هو عام الحسم"(المخا للدراسات الاستراتيجية 2025، 10).
٤- السيناريو الانهياري والتحولات الداخلية للجماعة الحوثية: يعتمد هذا السيناريو على افتراض تفكك الجماعة الحوثية داخليًا نتيجة عوامل ضعف قيادي وسياسي، وانقسامات داخل الصف الأول، بالإضافة إلى ضغوط اقتصادية وعسكرية مستمرة. ويؤدي هذا التفكك إلى تراجع قدرة الجماعة على إدارة مناطق سيطرتها، مما يفتح المجال أمام الأطراف المحلية والدولة لاستعادة السيطرة تدريجيًا دون معركة شاملة مباشرة. ويتيح هذا السيناريو إمكانية التوصل إلى تسويات محلية ومؤسساتية مع الفصائل المنقسمة، بما يهيئ بيئة سياسية أكثر مرونة لإعادة دمج الجماعة جزئيًا ضمن النظام السياسي الوطني، أو الحد من نفوذها عبر إصلاحات سياسية وأمنية. كما يعكس السيناريو دور المجتمع الدولي والإقليمي في استثمار الانقسامات الداخلية لدفع الأطراف نحو اتفاقات شاملة، مع التركيز على معالجة جذور الصراع وبناء الثقة بين الأطراف المختلفة.
٥- السيناريو المرجح: من بين السيناريوهات المطروحة لعملية السلام، يمكن القول إن السيناريو المرجح هو سيناريو مزدوج يمزج بشكل متوازِن بين توافر عوامل انهيار جماعة الحوثي من الداخل نتيجة عوامل الضعف والهشاشة التي تمر بها، بالإضافة إلى تصريحات مسؤولين إسرائيليين تشير إلى إمكانية تكرار سيناريو حزب الله في اليمن من خلال استهداف قيادات الصف الأول. ويتضمّن السيناريو كذلك تحشيدًا قبليًا واستغلال مجلس القيادة لهذا الوضع عبر تحريك قواته تجاه العاصمة صنعاء، بالإضافة إلى تفعيل كافة الجبهات بدايةً من الحديدة فصعدة وصولًا إلى تعز وبقية المحافظات الشمالية، بحيث تدرك القيادات الميدانية لدى الجماعة أن بقائها مرتبطٌ بخيارات تسليم أو استسلام محدّدة. وبذلك تصبح العاصمة في قبضة مجلس القيادة الرئاسي، ثم يتم بعد ذلك إجراء حوار وطني شامل، وترتيب بناء المرحلة الانتقالية واستكمال مهامها، وإضعاف قدرة الفواعل المسلحة الموازية عبر ترتيبات حصر السلاح بيد الدولة، وحلّ التشكيلات العسكرية والأمنية ودمجها في إطار وزارة الدفاع والداخلية.
خلاصة القول إن سيناريوهات عملية السلام في اليمن متعددة ومتشابكة، ولا يمكن اختزال المستقبل في مسار واحد معزول؛ إذ يظل الاحتمال الأكبر ممثلاً بمزيج من الضغوط الميدانية والتحولات الداخلية والوساطات الإقليمية والدولية. لذلك تتطلب مواجهة هذا الواقع استراتيجية متكاملة توازن بين تحقيق مكاسب أمنية تكفل خلق شروط تفاوضية عادلة، وضمان مسار تفاوضي واسع وشامل يضم كل الأطراف ويقدم ضمانات تنفيذية ومآلات واضحة للانتقال السياسي والإصلاح المؤسسي. وفي غياب مثل هذه المقاربة المتوازنة ستبقى احتمالات تجدد العنف أو تفكك التسويات المرحلية مرتفعة، مما يستدعي التزاماً زمنياً ومنهجياً من الأطراف المحلية والضامنين الإقليميين والدوليين لحماية مكتسبات أي اتفاق وبناء سلام دائم قائم على العدالة والشراكة.
المراجع:
• المخأ للدراسات الاستراتيجية، 2025. الاتجاهات المحتملة للملف اليمني في ضوء التطورات السياسية لشهر مايو، تم الاسترجاع من:https://wp.me/pghRh9-2Di