في 12 ديسمبر 1962م تم إعلان حالة الطوارئ في مواجهة تمرد مسلح في عهد السلطان عمر علي سيف الدين الثالث بدولة بروناي "دار السلام"، وقد مهّد ذلك الاعلان لواحدة من أغرب حالات الطوارئ في العالم إذ لا تزال مستمرة حتى اليوم لما يقارب ثلاثة وستين عامًا، رغم القضاء على حالة التمرد تلك في حينه ، تحولت حالة الطوارئ تلك إلى وضع قانوني مستمر في البلاد يتم تجديده كل عامين، ويستند إليه السلطان في رئاسته لمختلف المؤسسات التنفيذية والتشريعية وغيرها.
فما هي حالة الطوارئ عمومًا، وما وضعها في الحالة اليمنية؟.
المفهوم العام
في حالة الظروف غير الطبيعية والتهديدات الخطيرة تصبح آليات المواجهة غير عادية أيضًا، هنا تُعلن حالة الطوارئ، وهي حالة يتم اللجوء إليها عادةً في الظروف التي قد تشكّل خطرًا جسيمًا على الدول والمجتمعات، كالحروب، أو التهديدات الأمنية الخطيرة، أو الكوارث الطبيعية، أو الأزمات السياسية أو الصحية الكبرى، هنا تصبح أدوات المواجهة الاستثنائية ضرورة لا غنى عنها.
وتُعد حالة الطوارئ إطارًا قانونيًا يسمح للسلطات المختصة باتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة، وتجاوز بعض الإجراءات الإدارية المعتادة أو متطلبات الموافقات المسبقة التي قد تعيق سرعة التعامل مع الخطر القائم.. وتختلف آليات إعلان الطوارئ وصلاحياتها من دولة إلى أخرى تبعًا لدساتيرها وقوانينها..
ويختلف الأمر من بلد إلى آخر حسب قوانين ودساتير تلك البلدان لكن الأعم والأهم أن رئيس البلاد هو المخول بإعلان حالة الطوارئ وممارسة صلاحياتها وصلاحياته لاتخاذ الإجراءات اللازمة لإزالة تلك التهديدات ومواجهة التحديات عبر العديد من الإجراءات والقرارات الضامنة بإعادة الأمور إلى طبيعتها ..
الحالة اليمنية
بعد إعلان نتنياهو الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال في26 ديسمبر 2025. التي لم يعترف بها أحد منذ ثلاثة عقود، وفي واقع عربي مضطرب، وتحديات جيوسياسية كبيرة....
وهنا في اليمن ، ونتيجة الأحداث التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة خلال شهر ديسمبر، على خلفية سيطرة قوات المجلس الانتقالي على المحافظتين وعدم الانسحاب منهما وممارسته بعض الأعمال غير المنسجمة مع القانون والدعوة إلى الانفصال وغير ذلك من الممارسات، فقد أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي فخامة الدكتور رشاد العليمي في الثلاثين من ديسمبر 2025، قرارًا جمهوريًا يقضي بإعلان حالة الطوارئ في البلاد لمدة تسعين يوما قابلة للتجديد.
استند العليمي في اعلان حالة الطوارئ إلى الدستور وإلى إعلان نقل السلطة في 7 أبريل 2022 ، ما منحه إطارا قانونيا أعاد بموجبه التأكيد على مركزية القرار ووسّع من صلاحيات اتخاذ إجراءات عاجلة تتعلق بالأمن والسيادة، وضرةرة خروج الانتقالي من المحافظتين وتسليمهما لقوات درع الوطن، إلى جانب إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع دولة الإمارات العربية المتحدة والمطالبة باخراج قواتها من البلاد، وهو الأمر الذي تم تلقفه من قبل البعض في إطار الشماتة والمماحكات الإعلامية والدعوة إلى قطع العلاقات تماما..
خيار اضطراري
وهنا نود الإشارة إلى أن الرئيس العليمي أوضح في اجتماعه الخميس 1 يناير 2026 ، بهيئة المستشارين، أن هذه القرارات لم تأتِ للانتقام أو التصعيد، بل كانت خيارًا اضطراريًا لاستعادة مسار السلام، وحماية المركز القانوني للدولة، وتفادي انزلاق البلاد إلى دوامة عنف جديدة، وأشار بخصوص قرار إنهاء التواجد العسكري الإماراتي أنه جاء في إطار تصحيح مسار التحالف دون أن يعني القطيعة، أو التنكر للعلاقات الثنائية، أو إرث التعاون القائم على المصالح المشتركة بين البلدين الشقيقين.
تساؤل واستفهامات
وفي حين أكدت المملكة العربية السعودية على دعمها الكامل للقرارات التي اتخذها العليمي وتبعتها عدد من الدول الشقيقة والصديقة التي أكدت على وحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه، يطرح المهتمون الكثير من الأسئلة حول:
مدى استغلال المدة المحددة لحالة الطوارئ -وهي تسعون يوما- في استكمال المعركة الوطنية باتجاه صنعاء، كون الانقلاب الحوثي هو الأرضية الأكبر للانقسام والأكثر تسببًا في وصول الوضع إلى ما هو عليه الآن؟؟..
أم أن استغلال تلك المهلة سيتركز على الوضع في حضرموت والمهرة فقط؟؟، حيث حذر العليمي بخصوص ذلك ،في اجتماعه مع مستشاريه، بلغة حازمة، من أي محاولة للالتفاف على القرارات ومتطلبات انفاذها على الأرض وعدم استغلال المهل المتكررة لإعادة تطبيع الأوضاع في المحافظات الشرقية التي لم تستثمر بصورة رشيدة من جانب المجلس الانتقالي حتى الآن.
قوة معنوية وعسكرية
ومع التحركات العسكرية التي قادتها قوات درع الوطن لاستلام المعسكرات وتطبيع الأوضاع في المحافظتين الشرقيتين، وهو ما يسير بشكل ناجح حتى الآن، نود الإشارة إلى أن الطوارئ اليمنية ليست حالة فقط أعلنها فخامة الرئيس العليمي، بل قوة معنوية اكتسبتها الدولة لممارسة صلاحيتها وإعادة مركزها القانوني إلى ما يجب أن يكون عليه، وأيضا تعتبر الطوارئ اليمنية قوة عسكرية على الأرض تتشكل من ست فرق تمتد على مسرح العمليات من صحراء مأرب وحضرموت وفي حدود الجوف والحد الشمالي للجمهورية اليمنية مع المملكة العربية السعودية ابتداء من كتاف والبقع وحتى مران، وهي على استعداد قوي لتنفيذ التوجيهات والمهام الموكلة إليها بمستوى عالي من الجاهزية والانضباط.. وهنا وجبت الإشارة إلى أن الميدان لا يزال ينتظر بيانات وقرارات مماثلة تتوجه بموجبها البوصلة نحو العاصمة صنعاء، وهو ما دعمته المملكة العربية السعودية ولا تزال تقدم في سبيل تحقيقه الكثير من المساعدة والمساندة بمختلف صورها وأشكالها..
وختاما
وفي حين يتوق الشعب اليمني إلى هذه الخطوة المهمة، يتوقع كثيرون أن تتدحرج الأحداث -بعد استكمال المهمة في حضرموت والمهرة- إلى استعادة كافة البلاد واخراج الشعب من أزماته المتكررة ويسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت بسكينة وأمان.. ومن ثم الجلوس على طاولة حوار شامل لمعالجة ومناقشة كافة القضايا العالقة ومن بينها قضية الجنوب التي لن تأخذ حقها بالممارسات الحاصلة حاليا ويتوجب على قادتها الحكمة والتعقل واتخاذ المسارات السلمية والقانونية في سبيل معالجة قضيتهم، وبالتالي الوصول إلى يمن آمن ومستقر خالٍ من التهديدات سواءً الموجهة إلى الجوار والاقليم أو القادمة منه.