مقالات صحفية


أسبقية الحسم العسكري في استراتيجية إعادة ترتيب البيت اليمني

الثلاثاء - 21 يوليو 2026 - الساعة 07:16 ص

مهند الغرساني
الكاتب: مهند الغرساني - ارشيف الكاتب



يشكل المشهد اليمني الراهن مرحلة مفصلية تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والسياسية مع المعطيات الميدانية والعسكرية، الأمر الذي يجعل التعامل مع الأزمة يتطلب قراءة شاملة لطبيعة الصراع وبنية القوى الفاعلة فيه. وفي هذا الإطار، يُعد قرار استئناف تصدير النفط ودفع الرواتب خطوة إيجابية من حيث الاتجاه العام، لما يحمله من أهمية في تخفيف الأعباء الإنسانية وتحسين الأوضاع المعيشية، رغم أنه جاء متأخرًا، وهو ما أسهم في تعميق المعاناة الاقتصادية والاجتماعية. غير أن هذا الإجراء، على أهميته، لا يمكن أن يحقق أهدافه الاستراتيجية بصورة كاملة ما لم يندرج ضمن رؤية وطنية متكاملة تجمع بين بناء القدرة الاقتصادية وتعزيز القدرة السيادية للدولة. وقد ظل ملف استئناف تصدير النفط ودفع الرواتب معلقًا طوال سنوات الصراع نتيجة رفض جماعة الحوثي، وتهديداتها المتكررة، واستهدافها المباشر لبعض المنشآت النفطية، وهو ما يؤكد أن هذا الملف لم يكن اقتصاديًا بحتًا، بل ارتبط بصورة وثيقة بمعادلة القوة على الأرض. واليوم، ومع اتجاه مجلس القيادة الرئاسي إلى استئناف التصدير والتعامل بحزم مع التهديدات، يظل هذا المسار، وفق هذا الطرح، بحاجة إلى أن يكون جزءًا من استراتيجية أشمل تستهدف استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقسام القائم، خاصة أن التجارب السابقة تشير إلى أن جماعة الحوثي استطاعت توظيف فترات التهدئة وجهود التسوية لتعزيز سلطات الأمر الواقع وترسيخ نفوذها.

محدودية المسار الاقتصادي المنفرد في تغيير معادلة الصراع:

برزت خلال مراحل الصراع اليمني قراءات سياسية افترضت أن المعالجة الاقتصادية وتحسين الظروف المعيشية يمكن أن يشكلا مدخلًا كافيًا لدفع الأطراف نحو التسوية وإنهاء الانقسام. إلا أن طبيعة الصراع اليمني تشير إلى أن العوامل الاقتصادية، رغم أهميتها، لا تعمل بمعزل عن موازين القوة السياسية والعسكرية. فالأطراف التي تمتلك مشروعًا سياسيًا وعسكريًا قائمًا على السيطرة والنفوذ لا تتخلى عن مكاسبها الاستراتيجية بفعل الضغوط الاقتصادية وحدها، بل قد تسعى إلى توظيف أي تحسن اقتصادي بما يعزز قدرتها على الاستمرار وترسيخ نفوذها. ومن هذا المنطلق، فإن التعويل على المسار الاقتصادي باعتباره بديلًا عن معالجة الاختلال العسكري في بنية الدولة يمثل، وفق هذا المنظور، قراءة غير مكتملة لطبيعة الأزمة؛ إذ إن استعادة مؤسسات الدولة لا تتحقق بمجرد توفير الموارد المالية، وإنما تحتاج إلى سلطة قادرة على فرض سيادتها، وحماية مؤسساتها، وإنفاذ قراراتها على كامل الإقليم الوطني. كما أن أي سلام لا يعالج جذور الانقلاب ويعيد احتكار الدولة للسلاح يظل، في هذا التصور، سلامًا ناقصًا يفتقر إلى مقومات الاستقرار الدائم، ويصعب أن يحظى بقبول وطني واسع. ومن ثم، فإن قيام دولة النظام والقانون يقتضي أن يبقى السلاح حكرًا على مؤسسات الدولة وحدها. وانطلاقًا من ذلك، يطرح هذا الاتجاه شعارًا يتمثل في: "يمنٌ يحكمه اليمنيون، يمنٌ بلا سلاح خارج سلطة الدولة، يمنٌ يقوم على سيادة القانون ووحدة القرار الوطني." كما يرى أن التعويل على أولوية الملف الاقتصادي بوصفه مدخلًا لتحرير الدولة واستعادة مؤسساتها يظل أقل فاعلية من معالجة جذور الأزمة السياسية والعسكرية، مستندًا إلى تجارب سابقة شهدت تعثر عدد من الاتفاقات الإنسانية والسياسية نتيجة الخلافات بشأن تنفيذها.

التكامل والأسبقية بين المسارين العسكري والاقتصادي في بناء الدولة:

لا تقوم العلاقة بين المسار الاقتصادي والمسار العسكري على التعارض أو الاستبدال، وإنما على التكامل، مع اختلاف في ترتيب الأولويات بين الاتجاهات المطروحة. فالاتجاه الأول يرى أن استئناف تصدير النفط ودفع رواتب الموظفين يمثلان مدخلًا لتعزيز شرعية الدولة وقدرتها على الصمود، وأن نجاح هذا المسار يتطلب في الوقت ذاته ردع أي تصعيد عسكري أو تهديد يستهدف الملاحة الدولية أو المنشآت الحيوية. في المقابل، يرى اتجاه آخر أن أسبقية استعادة العاصمة صنعاء وبسط سيادة الدولة على كامل التراب الوطني تمثل الشرط الضروري لإعادة ترتيب بقية الملفات، بما فيها استئناف تصدير النفط والغاز، ودفع الرواتب، وإعادة توحيد المؤسسات، ومعالجة شكل الدولة، وتحديد طبيعة النظام السياسي، والوصول إلى معالجة عادلة للقضية الجنوبية في إطار تسوية وطنية شاملة. ووفق هذا التصور، فإن استعادة الدولة لسلطتها وسيادتها هي التي تمكنها من إدارة مواردها وتنفيذ سياساتها الاقتصادية، وليس العكس. وبناءً على ذلك، فإن أي استراتيجية جادة لاستعادة الدولة تقتضي مواءمة الجهدين السياسي والاقتصادي مع بناء قدرة عسكرية وطنية قادرة على تغيير موازين القوة، وإنهاء تعدد السلطات، واستعادة مؤسسات الدولة في المناطق الخارجة عن سيطرتها. وفي هذا السياق، لا تُفهم القوة العسكرية باعتبارها غاية في ذاتها، وإنما بوصفها وسيلة لإعادة بناء التوازن السياسي وتهيئة البيئة اللازمة لسلام مستقر، بدلاً من الاكتفاء بهدن مؤقتة قد تكرس واقع الانقسام. كما أن إدراك الأطراف المختلفة لقدرة الدولة على استعادة نفوذها ومؤسساتها من شأنه أن يعيد تشكيل حساباتها السياسية، ويدفعها نحو التعامل مع تسوية تستند إلى ميزان قوى جديد يضمن استقرارًا أكثر استدامة. ومن هذا المنظور، فإن إعادة بسط سلطة الدولة على العاصمة ومؤسساتها تعد، في نظر أصحاب هذا الاتجاه، نقطة الانطلاق لإعادة ترتيب البيت اليمني، بما يسمح بإدارة الملفات الاقتصادية والسياسية من موقع الدولة الواحدة صاحبة السيادة، لا في ظل استمرار الانقسام وتعدد مراكز القرار.

السلام المستدام كنتاج لاستعادة السيادة الوطنية:

لا يمكن بناء سلام مستدام في اليمن في ظل استمرار وجود قوة مسلحة تنازع الدولة حقها الحصري في السيادة والقرار، والمتمثلة في جماعة الحوثي. فجوهر الأزمة لا يرتبط فقط بالخلافات السياسية أو الاقتصادية، وإنما يرتبط بصورة أساسية بوجود سلطة وسلاح موازيين لسلطة الدولة تمثلهما جماعة الحوثي المدعومة من إيران. ومن ثم، فإن معالجة هذا الاختلال تتطلب إنهاء حالة السيطرة المسلحة التي تعيق عودة الدولة ومؤسساتها، ورفض أي محاولة لتدويل الصراع أو إخراجه عن سياقه المحلي والوطني بوصفه صراعًا بين الشرعية والانقلاب. ذلك أن جماعة الحوثي ما تزال تتعامل مع الصراع باعتباره، بدرجة مركزية، صراعًا مع المملكة العربية السعودية أكثر من كونه صراعًا مع الشرعية الوطنية. ومن هذا المنطلق، فإن استباق الأحداث وحسم الصراع عسكريًا لصالح الشرعية الوطنية، وفق هذا التصور، من شأنه أن يعزز فرص بناء سلام وطني مستدام، ويهيئ الظروف لإعادة بناء النظام السياسي على أساس المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والشراكة الوطنية. وعندما تستعيد الدولة قدرتها على إدارة عاصمتها ومؤسساتها ومواردها، يصبح بالإمكان الانتقال من مرحلة الصراع على السلطة إلى مرحلة بناء الدولة، وإعادة تنظيم الملفات الاقتصادية والمالية والإدارية ضمن إطار وطني موحد. وعقب استعادة الدولة لسيادتها، تتحول القضايا المرتبطة بتصدير النفط، ودفع الرواتب، وإدارة الموارد العامة إلى أدوات لتعزيز الاستقرار والتنمية، بدلًا من أن تكون وسائل لإدارة الانقسام، أو تكريس موازين القوى القائمة، أو تقويض جهود التسوية، أو إخضاعها لمنطق المقايضة الجزئية بين الملفات، كالميناء مقابل الميناء أو المطار مقابل المطار. كما يصبح الانتقال نحو الاستحقاقات السياسية الكبرى، بما في ذلك إعادة بناء مؤسسات الدولة وتحديد شكل النظام السياسي، أكثر قابلية للتحقق ضمن إطار دستوري وقانوني جامع.

وبناءً على ذلك، ينطلق هذا التصور من أن استعادة الدولة لسيادتها على العاصمة ومؤسساتها تمثل المدخل الرئيس لإدارة بقية الملفات السياسية والاقتصادية بصورة فاعلة، وأن السلام المستدام لا يتحقق بمجرد إبرام اتفاقات سياسية أو اتخاذ إجراءات اقتصادية، وإنما بقيام دولة قادرة على حماية مواطنيها، وإدارة مواردها، وفرض سيادة القانون على كامل أراضيها. وعندئذ فقط يصبح من الممكن إطلاق مسار إعادة الإعمار، وتحقيق المصالحة الوطنية، وإنجاز العدالة الانتقالية، وبناء مستقبل يلبي تطلعات اليمنيين في دولة مستقرة وموحدة، ذات سيادة كاملة، يكون فيها القرار الوطني مستقلًا، ويُصاغ السلام بإرادة اليمنيين أنفسهم، وبما يعبر عن تطلعاتهم في الحرية والكرامة والاستقرار.




شاهد ايضا


الكويت تدين تهديدات مليشيا الحوثي للملاحة البحرية وتؤكد دعمها الكامل ل ...

الثلاثاء/21/يوليو/2026 - 02:13 م

أدانت دولة الكويت بشدة التهديدات الأخيرة الصادرة عن مليشيا الحوثي بحق المملكة العربية السعودية، مؤكدة رفضها لما تضمنته من مزاعم وتهديدات تستهدف أمن ال


البحرين تعترض هجمات إيرانية والأردن يسقط 5 طائرات مسيّرة ...

الثلاثاء/21/يوليو/2026 - 01:05 م

أعلنت كل من البحرين والأردن، الثلاثاء، نجاح قواتهما المسلحة في التصدي لهجمات جوية إيرانية، في ظل تصاعد التوتر العسكري بالمنطقة، مؤكدتين استمرار رفع مس


مليشيا الحوثي تهدم منزل مواطن في حجة وتشرد أسرته ...

الثلاثاء/21/يوليو/2026 - 10:57 ص

أقدمت مليشيا الحوثي على هدم منزل أحد المواطنين في مديرية كشر بمحافظة حجة، ما أدى إلى تشريد أفراد أسرته وإخراجهم من المنزل بالقوة، في حادثة أثارت استيا