مقالات صحفية
انكسار رهان فارس على أبواب الساحل في معركة الخميس
الخميس - 03 سبتمبر 2026 - الساعة 11:55 م
لا يمكن لعاقل أو متابع لمجريات الأحداث في اليمن أن يصدق أن مليشيا الحوثي تظن في قرارة نفسها أنها قادرة على كسب المعركة أو تحقيق انتصار ميداني حاسم ومستدام؛ إذ تدرك قبل غيرها أنها فقدت معظم حاضنتها الشعبية والاجتماعية، وأن مشروعها لم يعد يجد قبولًا أو تعايشًا لدى قطاعات واسعة من الشعب اليمني في مختلف المحافظات.
ومع ذلك، تواصل المليشيا الزج بأبناء القبائل في معارك خاسرة، وتحويلهم إلى وقود للجبهات، ودفعهم ضحايا في حرب تخدم أجندة المشروع الإيراني وتمدداته في المنطقة.
وفي فجر الخميس، دفعت مليشيا الحوثي بأكبر وأعتى محاولة هجومية استراتيجية لها منذ أشهر، عقب تحشيدات عسكرية وبشرية مكثفة أُعدت بعناية، سعت من خلالها إلى إحداث اختراق في المنطقة الفاصلة بين القوات المسلحة ومحور تعز في جبهة جبل حبشي، والقوات المرابطة في الساحل الغربي، ممثلة بالمقاومة الوطنية في محوري البرح ومقبنة.
ويبدو أن أحد الأهداف الرئيسية للعملية كان محاولة إقامة حاجز عزل بين الجبهتين وإضعاف قدرتهما على التكامل العسكري، بما يتيح للمليشيا إحداث خرق ميداني يمكن البناء عليه باتجاه الساحل وباب المندب.
ولم يكن هذا التحرك العسكري هجومًا عابرًا؛ إذ سبقته وتخللته تحضيرات نارية مكثفة شملت التمهيد الصاروخي والمدفعي والهجمات بالطائرات المسيّرة، واستهداف عدد من المناطق والبلدات، بينها ريف المخا والوازعية وجبهة جبل حبشي، في محاولة لخلق حالة من الإرباك والضغط على أكثر من اتجاه في وقت واحد.
لكن ما جرى على الأرض اصطدم بحسابات مختلفة تمامًا عما رُسم في غرف العمليات الحوثية.
فقد واجه الهجوم جبهة وطنية متماسكة، جمعت المقاومة الوطنية وقوات الجيش والمقاومة الشعبية، وأسندها وعي مجتمعي واسع لدى أبناء تعز، الذين أثبتوا مرة أخرى أنهم أحد أهم عوامل الصمود في مواجهة المشروع الحوثي.
وعلى مدار ساعات طويلة من القتال المتواصل، دفعت المليشيا بموجات بشرية متتابعة من العمق إلى خطوط النار الأمامية؛ نسقًا يتبع نسقًا، وكلما انكسر هجوم دفعت بآخر، في محاولة لاستنزاف المدافعين وتحقيق اختراق بأي ثمن.
لكن الهجمات انكسرت تباعًا، وتجرعت المليشيا خسارة كبيرة، وتبخرت أحلام الاختراق على أبواب الساحل، دون أن تتمكن من تحقيق الهدف الميداني الذي حشدت له كل تلك القوات والأسلحة.
وفي الوقت الذي كانت فيه الجبهات تخوض معركتها، كانت مدفعية مأرب تضرب مواقع وأوكار المليشيا في العمق، في مشهد يعكس اتساع رقعة المواجهة وتداخل أدوار الجبهات في مواجهة مشروع واحد.
وتكتسب معركة فجر الخميس أهمية تتجاوز نتائجها الميدانية؛ فالعملية جرى الإعداد لها بحشد بشري وناري كبير، واستخدمت فيها الصواريخ والمدفعية والطائرات المسيّرة، وجاءت في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية، يتزامن مع تصاعد الضغوط على إيران ومشروعها في المنطقة.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الهجوم باعتباره محاولة حوثية لإعادة فرض المبادرة العسكرية، وتوجيه رسالة ضغط للمجتمع الدولي، وإظهار قدرة المليشيا على فتح جبهة واسعة وتهديد مناطق وممرات ذات أهمية استراتيجية.
غير أن فشل الهجوم، رغم حجم التحشيد والاستعداد، يضعف هذه الورقة ويكشف حدود القوة التي تراهن عليها المليشيا في فرض معادلات جديدة على الأرض.
والأهم أن العملية جرت في ظل غياب الإسناد الجوي لقوات الجيش والمقاومة، وهو ما يجعل فشل الهجوم أكثر دلالة من الناحية العسكرية؛ فالمليشيا امتلكت عنصر المبادأة وكثافة النيران والتحشيد البشري، لكنها لم تتمكن من تحويل ذلك إلى اختراق استراتيجي.
كما يكشف توقيت التصعيد جانبًا آخر من الحسابات الحوثية؛ فالمليشيا تبدو أكثر خشية من انتقال المبادرة العسكرية إلى الطرف الوطني الجمهوري، وبدء معارك هجومية واسعة تستهدف استعادة المناطق التي تسيطر عليها.
ولهذا تحاول عبر الهجمات الاستباقية إرباك خصومها، وتشتيت قدراتهم، وكسب الوقت لإعادة ترتيب صفوفها.
لكن كسب الوقت لا يعني تغيير مسار المعركة.
فكل المناورات والحوارات والتفاهمات التي قد تُطرح خلف الكواليس لن تستطيع إلغاء جوهر الأزمة اليمنية، ولن تمنح الانقلاب شرعية دائمة، ولن تمنع اليمنيين من التطلع إلى استعادة دولتهم ومؤسساتها.
لقد أثبتت معركة فجر الخميس أن امتلاك المليشيا القدرة على التحشيد وإطلاق هجوم واسع لا يعني امتلاكها القدرة على حسم المعركة.
كما أثبتت أن محاولة فصل جبهات تعز عن الساحل الغربي، أو التعامل معها كجبهات منفصلة، تصطدم بواقع عسكري وشعبي أكثر تماسكًا مما تتصوره المليشيا.
لقد خابت حسابات الحوثيين وتبخرت أحلام الاختراق.
والرسالة الأهم أن المشروع الذي يعتمد على التعبئة القسرية والزج بأبناء القبائل في محارق الحرب لا يستطيع صناعة انتصار مستدام، مهما امتلك من سلاح أو قدرة على الحشد.
وقد تتمكن المليشيا من تأجيل المواجهة، وقد تفتح جبهات جديدة، وقد تبحث عن مخارج سياسية لكسب الوقت، لكنها لن تستطيع إلى الأبد منع انتقال المبادرة إلى الطرف الآخر.
أما معركة استعادة الدولة، وفي مقدمتها صنعاء، فستظل حاضرة في صلب المشهد اليمني، مهما حاول الحوثيون تأجيلها.
فالهجوم الذي أراد الحوثيون من خلاله كسب الوقت انتهى بخسارة ورقة مهمة من أوراق الضغط، وأرسل في المقابل رسالة مختلفة: أن الطريق إلى الحسم ليس كما ترسمه غرف عمليات المليشيا، وأن قوة النار وحدها لا تكفي عندما تصطدم بجبهة متماسكة وإرادة شعبية ترفض مشروع الانقلاب.
معركة فجر الخميس لم تكن مجرد هجوم فشل؛ كانت اختبارًا للرهان الحوثي، وجاءت النتيجة لتقول إن هذا الرهان قابل للانكسار.