مقالات صحفية
من باع هويته للخارج لا يحق له اتهام اليمنيين بالارتزاق
الأحد - 23 أغسطس 2026 - الساعة 10:10 م
من أعجب المفارقات أن يتهم الحوثيون أبناء الشعب اليمني بالعمالة والارتزاق، بينما تكشف راياتهم وشعاراتهم وممارساتهم عن حقيقة يحاولون إخفاءها. فمن غيّر دينه ومذهبه وهويته وشعاراته من أجل مشروع خارجي، هو أول من ينبغي أن يُسأل عن معنى الارتزاق.
تأملوا المشهد: صور الخميني وقاسم سليماني وقيادات حزب الله تملأ الشوارع والأحياء في صنعاء، وشعارات مستنسخة من إيران تردد في المناسبات، ورايات لا تمت إلى اليمن بصلة. ثم تأتي الجماعة لتقنع اليمنيين بأنها صاحبة المشروع الوطني، وأن المرتزقة هم خصومها من أبناء الوطن الأوفياء!
فأيهما أقرب إلى الارتزاق؟
نحن اليمنيين، ممثلين بحكومتنا الشرعية، تحالفنا مع المملكة العربية السعودية في إطار تحالف عسكري بين دول، كما تفعل الدول الأخرى عندما تواجه اعتداء أو تهديدا لأمنها. ولم نغيّر ديننا أو مذهبنا، ولم نستبدل هويتنا اليمنية بهوية أخرى، ولم نرفع راية غير راية وطننا، ولم نجعل رموز دولة حليفة رموزا لهويتنا، رغم الجوار ووحدة الدين واللغة والروابط التاريخية والجغرافية.
أما الحوثيون، فلم يكتفوا بعلاقة سياسية أو عسكرية مع إيران، بل ارتبطوا بمشروعها الفكري والمذهبي والإقليمي، واستوردوا شعاراتها ورموزها، ورفعوا صور قادتها وقدموهم كنماذج، وحاولوا نقل المجتمع اليمني من هويته الوطنية العربية إلى هوية مذهبية مرتبطة بالمشروع الإيراني.
نحن تحالفنا مع دولة عربية وبقينا يمنيين؛ وهم ارتهنوا لمشروع خارجي وغيّروا كثيرا من شعاراتهم وهويتهم الدينية والسياسية.
نحن لم نرفع صور قادة الدول التي تحالفت معنا في كل مكان؛ وهم ملأوا اليمن بصور الخميني وسليماني وحسن نصر الله وشعارات حزب الله، وأنفقوا الأموال الطائلة لنشر هذه الرموز والشعارات، بينما يعاني المواطن تحت سطوتهم من الجوع والفقر.
نحن لم نستبدل القرار اليمني بقرار خارجي؛ بينما ترتبط جماعة الحوثي بالدعم والتوجيه القادم من طهران.
والأهم من كل ذلك: نحن لم نبدل ديننا ومذهبنا من أجل حليف؛ بينما تبنى الحوثيون المذهب الجعفري في سياق مشروعهم المرتبط بإيران، بما يحمله من ممارسات ومعتقدات يرفضها كثير من اليمنيين، وتُرصد له أموال طائلة ضمن مشروع أوسع. فأي ارتزاق أعظم من أن يغيّر الإنسان هويته الدينية والفكرية خدمة لمشروع خارج وطنه؟
ولهذا ينطبق عليهم المثل العربي الشهير: «رمتني بدائها وانسلت»؛ يرمون الآخرين بالعمالة لإبعاد الأنظار عن علاقاتهم وارتباطاتهم، ويجعلون من الهجوم وسيلة للدفاع، ومن تكرار الاتهامات أداة لصناعة رواية يريدون فرضها على الناس، كما يقال: اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس.
والأغرب أنهم يتحدثون عن السيادة، بينما تحمل مظاهر مشروعهم بصمات الخارج؛ ويتحدثون عن الوطنية، بينما يرفعون رموزا لا علاقة لها بالتراب اليمني؛ ويتحدثون عن مصلحة الشعب، بينما أدت سنوات الحرب إلى استنزاف البلاد وتدمير منشآتها ومقدراتها وإغراقها في الفقر والمعاناة، في وقت يصب فيه استمرار الصراع في خدمة مشروع إقليمي يتجاوز حدود اليمن.
مرت سنوات طويلة من سيطرتهم، فأين المدارس والمستشفيات والطرق والمشروعات؟ ماذا بقي للمواطن سوى الجبهات والسجون والمقابر وشعارات الحرب، إلى جانب الجوع والفقر؟
لقد تحولت اليمن إلى ساحة لخدمة مشروع إقليمي تقوده طهران، بينما يدفع اليمني الثمن من دمه وأمنه واقتصاده ومستقبل أبنائه.
اليمن ليس محافظة في مشروع إيراني، واليمني ليس جنديا في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل.
والفارق بيننا وبينهم لا يحتاج إلى حملات إعلامية، بل يكفي أن ينظر اليمني إلى الواقع:
من حافظ على دينه وهويته وراية وطنه، وتحالف مع دولة أخرى لمواجهة خطر عسكري، ليس كمن غيّر مذهبه وشعاراته ورموزه وارتهن لمشروع يتجاوز حدود وطنه، وغريبا عن التركيبة المذهبية والتاريخية لليمن.
فاليمنيون، بمذاهبهم الشافعية والزيدية وغيرها، لهم تاريخهم الديني والفكري الخاص، ولم تكن هويتهم الوطنية يوما بحاجة إلى أن تستمد شرعيتها من مشروع مذهبي طائفي غريب عنهم ويثير الفتنة.
إن المرتزق الحقيقي ليس من استعان بحليف وبقي وفيا لدينه ووطنه وهويته، وإنما من باع قراره وهويته ومشروعه الوطني لمن يموله ويوجهه، ثم اتهم غيره بالارتزاق.
والتاريخ لا يرحم؛ وسيذكر هذه المرحلة باعتبارها محاولة لاستبدال الجمهورية بالولاية، والمواطنة بالتبعية، والقرار الوطني بالارتهان، والهوية اليمنية بمشروع مذهبي عابر للحدود.
لكن اليمن باق، بجغرافيته وتاريخه وشعبه وإرادة أبنائه في استعادة دولتهم وقرارهم وهويتهم.
أما المشاريع العابرة للحدود، فمهما طال عمرها، فلن تستطيع أن تجعل اليمن ملكا لغير اليمنيين؛ فاليمن التي عُرفت عبر تاريخها بأنها مقبرة للغزاة، قادرة على أن تدفن كل مشروع يحاول ابتلاع هويتها وقرارها.