أراد أبرهة الحبشي هدم الكعبة بجيشه وفيله، فصبّ الله عليه سوط عذاب وأرسل عليه طيراً أبابيل جعلتهم كعصف مأكول. وها هو الحوثي "أبرهة العصر" يتفوق في زماننا على سلفه طغياناً وجرأة؛ فيستهدف بلاد الحرمين ومقدسات المسلمين بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الانتحارية، مهدداً أمنها وسكينة قاصديها.
لقد تبدلت الأدوات وتطورت وسائل الفتك، لكن العقيدة الهدامة واحدة: استهداف الأرض التي تحتضن أقدس مقدسات المسلمين، والصدّ الصريح عن الحرمين الشريفين، وترويع الوافدين والمسافرين إلى بيت الله الحرام.
والأشد عجباً في هذه المقارنة، أن أبرهة جاء جهاراً بكفره، بينما يتدثر المنافق الحوثي بعباءة الإسلام ويرفع شعارات نصرة الدين زيفاً! فكيف يستقيم لدى كل عاقل ادعاء الحوثي للإسلام، بينما الصواريخ والمسيّرات تُوجّه صوب مهبط الوحي وقبلة المسلمين؟! إن كل صاروخ يطلقه هذا التنظيم الكهنوتي السلالي الإجرامي نحو مكة المكرمة والمدينة المنورة يسقط قناع شعاراته البائسة، ويفضح النوايا التي لا تجيب عنها خطابات الدجل والافتراء.
وعندما قُرعت طبول الحقيقة وكُشف المستور وعلم الناس حقيقة استهدافه لمكة والمدينة، سارع طابور النفاق والمدافعون عنه إلى الصراخ والإنكار، متذرعين بأن مقذوفاته لم تصل إلى حرم الله ولم يلمسوا تدميراً بفضل الله وحفظه!
واليوم، ها هم قاصدو بيت الله الحرام والمسافرون الآمنون في دائرة الخطر المباشر، يستهدفهم هذا المنافق علناً، وتحت رصد الكاميرات وأمام عيون العالم أجمع في مطار الرياض والمناطق المدنية. إن المشاهد الحية والدماء المعصومة لا تكذب، وهي تفرض سؤالاً على كل ذي عقل: من هو المعتدي الحقيقي الذي يمارس الإرهاب الصريح؟ ومن هو الذي يحاول تغطية الشمس بغربال التضليل؟
التاريخ لا يرحم والمفارقات هنا مخزية وفاضحة؛ فإذا كان أبرهة قد أقام كنيسة "القُلَّيْس" في صنعاء بغرض صرف العرب عن الكعبة، إلا أنه لم يُؤثر عنه في التاريخ أنه استحل دماء المسافرين أو قتل العابرين تجاهها، أما الحوثي فقد زاد على أبرهة خسةً وإجراماً؛ فأقام لأتباعه مجسماً ومسخاً يحاكي الكعبة المشرفة في ذمار في واقعة هزت الضمير الإسلامي وأثارت استنكاراً عارماً، جامعاً بذلك بين جريمتين: محاولة مسخ الهوية العقائدية، واستحلال دماء المسافرين وقاصدي بلاد الحرمين وإقلاق أمنهم.
لذا فإن بين مشروع أبرهة الغابر ومشروع الحوثي الغادر، تنجلي الحقيقة عارية: كلاهما وجهان لعملة واحدة استهدفت تحطيم مركزية الحرم المكي وتدمير رمزيته المقدسة.
أبرهة قاد الفيل، والحوثي قاد الصاروخ والمسيّرة؛ أبرهة أراد هدم الحجارة، والحوثي يتقصد هدم الإنسان والمقدسات معاً، ثم يطلب من الأمة الإسلامية بكل وقاحة أن تصدق أنه يحمل راية الدين والجهاد! أي دين هذا الذي يستبيح القبلة وأهلها؟ وأي جهاد هذا الذي توجه فوهات مدافعه نحو الحرمين الشريفين؟
إن استهداف بلاد الحرمين والاعتداء على أمن سكانها ليس مجرد خصومة سياسية أو اعتداء عابر على دولة بذاتها، إنما هو عدوان مباشر على عقيدة كل مسلم في أنحاء المعمورة، بل هو من أعظم صور الصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام. وبالتالي فإن من يرفع شعارات نصرة الدين بلسانه، ويوجه خناجر الغدر والقتل لبيت الله الحرام بأفعاله، سيحترق ويقذف إلى مزبلة التاريخ ولن تنقذه تبريرات طابور المنافقين من مقصلة العقيدة، ولن تمحو بروباغندا الكذب السوداء ما تسجله يد العدالة والواقع المشهود.
أخيراً.. ليعلم هذا الخبيث ومن يقف وراءه، أن الكعبة التي عجزت عنها فيلة أبرهة وجيوشه الجرارة، لن تطالها صواريخ الغدر ومسيّرات الخيانة. إن لبيت الله رباً يحميه، وله في الأرض رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، يبذلون الأرواح والدماء دون أمن الحرمين وقاصديهما. سيسقط كيد الحوثي كما سقط أبرهة، وسيذهب المنافقون إلى مزبلة التاريخ، وتبوء أفعالهم بالخسران واللعنة، ويبقى بيت الله الحرام شامخاً، آمناً، ومنارةً للحق إلى قيام الساعة، رغمت أنوف الطغاة والمعتدين من اليهود والنصارى والمجوس الحاقدين!
يقول تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة : 114]