مقالات صحفية


فجراليمن وتعز: طلقتان في جعبة رشاد وبن سلمان

الأحد - 11 أكتوبر 2026 - الساعة 10:36 م

حبيب الحميري
الكاتب: حبيب الحميري - ارشيف الكاتب



بعد ان تمكنت مليشيات الحوثي من اختراق الساحل والإستيلاء على باب المندب بعد اسقاط أربع مديريات على الخط الساحلي والتوغل الى جبل حبشي والشمايتين فيما استطاعت لأحقا استغلال غياب التحصينات في ارياف تعز وإسقاط جزء كبير من مديريات الحجرية ومحاصرت تعز وقطع خطوط إمدادها.
جاء عقب ذلك إعلان العليمي بدء عملية عسكرية ضد الحوثييون وتحميلها كل عقبات فرص السلام ووصفها بدفع الاطفال وابناء القبائل الى محرقة الموت، وفي اليوم التالي أعلن عن مسمى العملية فجر اليمن تزامنًا مع انطلاق العملية العسكرية من قوات العمالقة ودرع الوطن التى تمكنت من استعادة مديرية ذباب وباب المندب التى مازلت تلك القوة تجرى وفقط الخطط المرسومة وتقوم بتأمين كلي لمديرية ذباب وتثبيت أمن باب المندب وتحصين دفاعها عبر تأميين المرتفعات المجاورة وجبل كهبوب فيما صاحب العملية توغل قوات درع الوطن نحو الوازعية وتأمينها وماتزال تخوض اشتباكات لتحريرها بالكامل.
لكن فقدان السيطرة داخل جبهات تعز وتمدد الحوثي يضع الشرعية والتحالف المساند امام مسألة حقيقية لماذا تسمح بزحف الحوثي دون اسناد فاعل يمنع من سقوط المدينة.

هنا تكمن دلالة «الطلقتين» في عنوان المقال: فرصتان سياسيتان وعسكريتان مترابطتان. الأولى أمام القيادة اليمنية، ممثلة برشاد العليمي، لاستعادة زمام المبادرة العسكرية، وتأمين الساحل وباب المندب، ومنع سقوط تعز، والعمل على تحريرها من سيطرة المليشيات الحوثية، وصولًا إلى استعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على بقية الأراضي اليمنية بما فيها صنعاء. والثانية أمام المملكة العربية السعودية، ممثلة بولي العهد محمد بن سلمان، لتأمين حدودها وأراضيها ومصالحها الاستراتيجية، ومواجهة خطر الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران، وإثبات أهمية أمن المملكة في حساباتها الاستراتيجية، وصولًا إلى قيام دولة يمنية صديقة ومستقرة، ترتبط بالمملكة بعلاقات متينة وتضمن الأمن المتبادل المستدام.

من هذا المنطلق، نحاول قراءة المشهد، وفهم ما حدث وما وراء الحدث، واستكشاف الفرص التي تتيحها التطورات الراهنة، والتحديات التي قد تحول دون استثمارها.

فجر اليمن: إعلان المعركة واختبار القيادة

بعد إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، بدء المعركة العسكرية لتحرير اليمن واستعادة مؤسسات الدولة، استنادًا إلى قرار مجلس الدفاع الوطني، دخل المشهد اليمني مرحلة جديدة من التصعيد العسكري. وجاء الإعلان في ظل تعثر مساعي السلام، واتهامات القيادة الشرعية للحوثيين بإفشال التفاهمات، ومواصلة التصعيد العسكري، والزج بالأطفال وأبناء القبائل في حرب عبثية تهدد اليمن وأمن جواره والاستقرار الإقليمي والدولي.

وتزامن ذلك مع تصاعد المخاوف من تمدد الحوثيين في محيط تعز والساحل الغربي، ومحاولاتهم التقدم نحو مواقع استراتيجية تشرف على طرق الإمداد والمناطق الحيوية، بما يهدد بتوسيع نطاق المواجهات وفرض واقع عسكري جديد.

ومع استمرار العمليات، برز تحدي تثبيت السيطرة على المواقع المستعادة وتأمين محيطها، بالتزامن مع تحركات قوات درع الوطن في اتجاه الوازعية. وفي المقابل تم اختراق جبهات تعز من تصاعد المواجهات وتعرض عدد من المناطق والطرق لضغوط عسكرية حوثية، مع استمرار الاشتباكات في بعض الجبهات.


باب المندب وتعز: الجغرافيا التي تحكم المعركة

على الخريطة، يمثل باب المندب ومديرية ذباب موقعين استراتيجيين بالغَي الأهمية، وقد شكّلا محورًا للصراع بسبب موقعهما المشرف على أحد أهم الممرات البحرية الدولية.

وتتجاوز أهمية هذه المنطقة حدودها الجغرافية؛ فباب المندب يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ويؤثر أمنه واستقراره في حركة الملاحة والتجارة الدولية. ولذلك، فإن السيطرة على الساحل المحيط به وتأمين المواقع المشرفة عليه يمثلان عنصرًا أساسيًا في حماية الممرات البحرية ومنع استخدامها لتهديد أمن المنطقة والمصالح الدولية.

وفي المقابل، تمثل تعز عقدة جغرافية وبشرية وسياسية بالغة الأهمية. فموقعها يربط مناطق داخلية بالساحل والمحافظات الجنوبية، كما أن ثقلها السكاني ورمزيتها السياسية والعسكرية يجعلانها إحدى أهم ساحات المواجهة مع المشروع الحوثي.

ومن هنا، فإن نجاح الحوثي ب عزل تعز عن خطوط الإمداد القادمة من عدن، والضغط على الطرق الرابطة بين المدينة والمناطق المحيطة بها، ومحاول اسقاطها تمثل تمثل خسارة إستراتيجية على الشرعية وتحالفها وتزعزع ثقة الشعب بقيادتها. وتمنح الحوثي تفوق ومعنويه الإستمرار في حصد المزيد من الانتصارات.
ومن هنا، فإن المعركة في الساحل والداخل مترابطتان بصورة مباشرة؛ فالتقدم في باب المندب يحتاج إلى بيئة برية آمنة، واستعادة تعز تحتاج إلى تأمين خطوط الإمداد والطرق الحيوية، وكلاهما يتطلب دافع حقيقي لإستعادة تعز وفتح خطوط امدادها وتحصين مرتفعاتها بإستعادة الحجرية، وأن تأمين الساحل لا يكفي دون إنقاذ تعز

وفي هذا السياق، لا ينبغي أن ينحصر الاهتمام العسكري في تأمين الشريط الساحلي، مع إغفال المناطق الداخلية التي ترتبط به جغرافيًا وعسكريًا. فالمناطق الجبلية والطرق الرابطة بين الساحل وتعز تشكل جزءًا من منظومة الأمن العسكري للمنطقة، وأي اختلال فيها قد ينعكس على استقرار المواقع الساحلية نفسها بل والمحافظة بكاملها.

وتبرز هنا أهمية المناطق الجبلية في الحجرية وجبل حبشي وسامع وقدس والصلو والأقروض، إلى جانب جبل صبر والمواقع الاستراتيجية المحيطة به، باعتبارها مناطق مؤثرة في المشهد العسكري والجغرافي لمحافظة تعز.

كما أن المواقع المرتفعة والمناطق المشرفة على الطرق والممرات قد تكتسب أهمية إضافية في ظل تطور أساليب القتال واستخدام الصوارؤخ والطائرات المسيّرة . ولذلك، فإن ترك هذه المناطق عرضة للتحصين والتمركز العسكري لاحوثي خطأ قد يرفع كلفة استعادتها مستقبلًا، ويزيد المخاطر على تعز والساحل والممرات البحرية.

ومن هذا المنطلق، فإن إطالة المرحلة الأولى من العمليات بهدف تثبيت السيطرة على الساحل، دون معالجة التهديدات المتصاعدة في تعز ومحيطها، قد تخلق فجوة بين الأهداف المعلنة والواقع الميداني. فحماية الممر الدولي مهمة استراتيجية، لكن حماية المناطق التي تؤثر في أمنه واستقراره لا تقل عنها أهمية.

إن المطلوب التعامل بين تعز وباب المندب، ضمن رؤية عسكرية واحدة تربط بين تأمين الساحل، وحماية طرق الإمداد، ومنع سقوط المناطق الحيوية، واستعادة المواقع التي سقطت مع تحرير المحافظة بالكامل والاستمرار نحو صنعاء حسب الخطط المرسوم عبر قنوات من المراحل المتتالية.

رغم أن العمليات العسكرية الجارية تحت مسمى «فجر اليمن»، والإسناد الجوي الذي يقدمه التحالف، وما يُعلن عن استهداف مواقع وقدرات عسكرية حوثية في عدد من المحافظات، فأنها لم توقف الزحف الحوثي في تعز ولم تمنع استهداف المملكة ومنشئاتها الحيوية والإقتصادية.

ومن هنا، فإن استمرار التهديدات الحوثية، بالتزامن مع تصاعد الضغط على تعز، يثير تساؤلات بشأن مدى قدرة العمليات الحالية على إحداث تحول فعلي في ميزان القوى.

كما أن العمليات الجارية في محافظات مثل الجوف ومأرب والبيضاء وحجة ولحج والضالع لم تحقق اي تقدمات ميدانية، ولم نرى قدرتها الحقيقيى على اختراق التحصينات الحوثية، وتحقيق أهداف عسكرية واضحة يمكن البناء عليها أمل ملموس يمكن ان تضع الاستهتار في تعز وجعلها معركة استنزاف يقابل ذلك تقدم ميداني وتحقيق انتصارات في جبهات تسهل الطريق لصنعاء وتنكل بالحوثي للأبد وان جمود هذه القوة وعدم تحركها ضمن انسياق العملية لمسرح معركة واحده تجعلنا امام فشل إداري في إدارة سياق المعركة ومعرفة حدودها الفعلي.

فالمشكلة لا تتعلق بمجرد فتح جبهات متعددة، بل بمدى قدرة القيادة على تحويل تعدد الجبهات إلى ضغط متزامن يحد من قدرة الحوثيين على نقل قواتهم وتعزيز مواقعهم، بدلًا من أن تتحول العمليات إلى مواجهات متفرقة ومنفرده تستنزف القوات الحكومية دون تحقيق نتائج حقيقية.

وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن للقيادة الشرعية أن تعلن هدف استعادة مؤسسات الدولة، بينما تواجه تعز خطر التراجع في بعض جبهاتها، وتظل قدرتها على حماية موضع استفهام.

ولماذا لا تنعكس العمليات العسكرية الواسعة على تخفيف الضغط عن المدينة، ومنع تمدد الحوثيين في المناطق التي تهدد خطوط الإمداد؟ وهل تمتلك القيادة خطة متكاملة لتنسيق الجبهات، وتوزيع القوات، وتحديد الأولويات وفقًا لمتطلبات المعركة؟

إن نجاح أي عملية فجر اليمن يتطلب الإندفاع نحو هجمات متزامه من كل الجبهات واختراق تحصينات الحوثي واسقاط دفاعاته وكشف نقط الضعف التي يمكن ان تحقق مكاسب للشرعية.

والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تمتلك القيادة الشرعية تصورًا واضحًا للتعامل مع احتمالات تراجع الجبهات في تعز؟ وما خطتها لمنع سقوط مزيد من المناطق، واستعادة المواقع التي فقدت السيطرة عليها، وحماية طرق الإمداد، وضمان عدم تحول المدينة إلى منطقة معزولة عن محيطها؟
كما ينبغي التساؤل عن مدى إدراك القيادة لتداعيات استمرار الاستنزاف العسكري على تعز، سواء من حيث الخسائر البشرية والعسكرية، أو من حيث تآكل الثقة الشعبية بقدرة الدولة على حماية المواطنين واستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

إن استمرار الاستنزاف لا يعني إضعاف الحوثيين وحدهم، بل قد يؤدي أيضًا إلى إنهاك القوات الحكومية والمجتمع المحلي، خصوصًا إذا لم يقترن بخطة واضحة لتحقيق نتائج ملموسة. وإذا فقدت القوات قدرتها على الصمود أو تراجعت ثقة السكان بالقيادة، فإن استعادة المناطق لاحقًا قد تصبح أكثر كلفة وتعقيدًا.
وهل تدرك قيادة الشرعية وترسم وفق خططها ان مقاتلة الحوثي بكل قوته على جبهات منفرده تجعل نفسها محل غباء استرتيجي وتتأكل من ذيلها حتى الراس وسقوطها محق في بقاءها ضمن هذه العقلية في إدارة الدولة.

ولا يكفي أن تراهن القيادة على أن تعز لن تسقط، أو أن استمرار المواجهات سيؤدي تلقائيًا إلى إنهاك الحوثيين. فالحروب لا تُحسم بالمسابلة والتضحيات وأنما بفهم طبيعة الواقع وتلبية الممطلوب بعد استلهام الدروس التاريخية وتجاربهاو بالتخطيط والقدرة على قراءة تحركات الخصم، وتحديد أولوياته، واستثمار نقاط ضعفه، ومنع استغلاله للثغرات القائمة.

وإذا كانت القيادة الشرعية تعتبر استعادة الدولة هدفًا استراتيجيًا، فإن حماية تعز يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من هذا الهدف، أن تعز تمثل اخر طلقة في جعبتها وخسارتها استراتيجياً يعني تكلفتها الكثير وتاخرها سنوات اضافية عن حسم المعركة.
بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، لا يمكن اختزال أهمية «فجر اليمن» في استعادة باب المندب أو حماية حركة الملاحة في البحر الأحمر. فالمسألة تتصل كذلك بأمن الحدود، وحماية المدن والمنشآت الحيوية، ومنع استخدام الأراضي اليمنية لشن هجمات تهدد المملكة، فضلًا عن المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المرتبطة باستقرار المنطقة.

وإن تعرض المملكة لهجمات حوثية تستهدف مدنها ومنشآتها الحيوية ومطاراتها ومصالحها الاقتصادية يضعها أمام تحديات أمنية واستراتيجية متزايدة. كما أن المخاطر المرتبطة بمنشآت الطاقة وحركة التجارة عبر البحر الأحمر والبحر العربي تجعل استمرار التهديد الحوثي مسألة تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

لكن السؤال لا يتعلق فقط بقدرة المملكة على الرد على الهجمات، بل بمدى قدرتها على إنهاء مصادر التهديد، ومنع استمرار استنزافها أمنيًا واقتصاديًا، وبناء واقع إقليمي أكثر استقرارًا.
فكيف يمكن تحقيق هذه الأهداف في ظل وجود قيادة يمنية تضم مكونات سياسية وعسكرية متعددة، تتباين مصالحها وأولوياتها، وتتفاوت قدرتها على التنسيق والعمل المشترك؟

وكيف يمكن تفكيك هذه العقدة السياسية والعسكرية بما يضمن وحدة اليمن وأمنه واستقراره، ويمنع تحول الدعم الخارجي إلى جهد متفرق لا يحقق الأهداف المعلنة؟


إن كل هذه التعقيدات تضعنا أمام حقيقة أساسية: أن عملية «فجر اليمن» هي فرصة للمملكة لإعادة ترتيب معادلة الأمن الإقليمي، كما تمنح القيادة اليمنية اختبارًا جديدًا لقدرتها على استعادة المبادرة وتوحيد الجبهات.

ومن هنا، فإن وصف «فجر اليمن» بأنه الطلقة الأخيرة في جعبة بن سلمان، ومعركة تعز بأنها الطلقة الأخيرة في جعبة رشاد العليمي، يعبر عن حجم الرهان السياسي والاستراتيجي الذي تفرضه التطورات الراهنة.
إن الرد على التهديدات لا ينبغي أن يقتصر على إجراءات مؤقتة، بل يتطلب استراتيجية متكاملة لمعالجة مصادر الخطر الذي بات يهدد الوجود السعودي، باعتبارها معركة وجود. والواجب هو توظيف جميع الإمكانات المتاحة لإزالة هذا الخطر، إذ إن استراتيجية النفس الطويل لم تعد مجدية في التعامل مع جماعة مارقة تجاوزت جميع الخطوط الحمراء، وأصبح الهدف هو إنهاءها من الوجود.




شاهد ايضا


وزير حقوق الإنسان يستعرض مع الخارجية البلجيكية انتهاكات الحوثيين في ال ...

الأحد/11/أكتوبر/2026 - 11:30 م

استعرض وزير حقوق الإنسان مشدل عمر مع مسؤولين في وزارة الخارجية البلجيكية في بروكسل التطورات الميدانية ومستجدات حقوق الإنسان والانتهاكات التي ترتكبها م


وصول 9 شاحنات إغاثية مقدمة من مركز الملك سلمان إلى عدن ...

الأحد/11/أكتوبر/2026 - 11:21 م

وصلت إلى العاصمة المؤقتة عدن 9 شاحنات إغاثية تحمل 3240 سلة غذائية مقدمة من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية. ومن المقرر توزيع السلال على ال


وزيرة الخارجية تبحث مع أمين الجامعة العربية توحيد المواقف وتعزيز العمل ...

الأحد/11/أكتوبر/2026 - 10:54 م

بحثت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين الدكتورة أفراح الزوبة الأحد خلال اتصال هاتفي مع الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي مستجدات الأوضاع في الي