تحليل الأزمة الاقتصادية وتآكل رأس المال الوطني في مناطق سيطرة جماعة الحوثي
الجمعة - 28 نوفمبر 2025 - 08:55 م
احداث العالم _ تحليلات
يشهد الاقتصاد الوطني في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي أزمة اقتصادية خانقة وغير مسبوقة. وقد تجلت هذه الأزمة مؤخراً في موجة واسعة من الاحتجاجات والإضرابات التجارية في العاصمة صنعاء، والتي جاءت رفضاً للقرارات والجبايات التعسفية التي فرضتها الجماعة، والتي يرى فيها القطاع الخاص محاولة ممنهجة لخنق رأس المال واستنزافه.
تصاعد الاحتجاجات التجارية
شمل الإضراب قطاعات تجارية متعددة، مما يعكس حالة من الاستياء الواسع في الأوساط الاقتصادية. وتُعد هذه التحركات الاحتجاجية، التي وُصفت بأنها الأكبر منذ عقد من الزمان، دليلاً على حالة الغضب المتزايد لدى القطاع الخاص الذي يواجه ضغوطاً متصاعدة تتمثل في:
1. الزيادة التعسفية في الضرائب: حيث شهدت الضرائب على المنتجات المستوردة، مثل الملابس والأقمشة والأحذية، ارتفاعاً بنسبة 100%، وهو ما وصفته النقابة العامة للتجار بـ “القرارات الجائرة والصادمة للسوق المحلي”.
2. الجبايات المتكررة والقيود المشددة: تتعدد مسميات الرسوم المفروضة، لتشمل دعم الجبهات ورسوم النظافة والزكاة والضرائب، مما يقلص هوامش أرباح الشركات الصغيرة والمتوسطة ويهدد استدامة النشاط التجاري.
3. تأثير السياسات على رأس المال: حذرت النقابات التجارية من أن استمرار هذه السياسات سيؤدي إلى تكريس الظلم الاقتصادي وإضعاف النشاط التجاري، مما يهدد بتوقف شبه كامل للقطاع الخاص وارتفاع معدلات البطالة والفقر.
استراتيجية خنق القطاع الخاص
يؤكد خبراء اقتصاديون أن الإجراءات الحوثية لا تقتصر على تحصيل الإيرادات، بل تمثل سياسات ممنهجة تهدف إلى استنزاف رأس المال الوطني وتحييد القطاع الخاص. وتشمل هذه الاستراتيجية:
• الابتزاز المالي: فرض رسوم متعددة وتزوير الوكالات التجارية وتحويلها لقيادات موالية للجماعة.
• السيطرة على المجتمع: استخدام الإجراءات الاقتصادية كأدوات للسيطرة، من خلال التحكم في السلع الاستراتيجية كالمحروقات والقمح، وممارسة الضغط على التجار والمواطنين.
• استغلال المساعدات: توثيق حرمان الأسر والتجار الرافضين للامتثال من الخدمات الأساسية، وتحويل المساعدات الإنسانية إلى أداة ضغط وتجنيد.
ويشير تقرير فريق الخبراء الدوليين المعني باليمن إلى أن هذه السياسات تساهم في تآكل رأس المال الوطني وتفاقم هشاشة الاقتصاد المحلي بشكل ممنهج، وتحويل الاقتصاد إلى أداة تمويلية للجماعة.
التحايل على العقوبات الدولية وتطوير الموارد
في سياق متصل، كشفت التقارير عن مساعي الجماعة لتجاوز القيود الدولية المفروضة عليها. فبعد تضرر الموانئ الرئيسية، عملت الجماعة على تطوير ميناء رأس عيسى لاستقبال السفن التجارية، بما في ذلك إنشاء أرصفة ترابية لاستقبال شحنات الوقود والمواد الغذائية دون الحاجة لبنى تحتية متقدمة. يهدف هذا الإجراء إلى ضمان استمرارية الإيرادات في ظل القيود المفروضة على موانئ الحديدة والصليف.
كما أن استمرار الحصار على صادرات النفط في مناطق الحكومة الشرعية يزيد من هشاشة الاقتصاد العام، ويضعف قدرة الجماعة على تمويل الخدمات الأساسية، رغم سيطرتها على موارد الموانئ وعمليات التهريب التجاري.
السيطرة على السوق والأزمة الغذائية
أصدرت الجماعة سلسلة من القرارات لحظر استيراد بعض السلع، مثل السيارات والمعدات الثقيلة، واحتجاز بضائع التجار في المنافذ الجمركية، مما يعكس سياسة السيطرة الكاملة على التدفقات التجارية واستنزاف رأس المال. وتؤكد التقارير الاقتصادية أن هذه السياسات تُستخدم كأداة سياسية للضغط على السكان والتجار، وتعميق الانقسامات المؤسسية، ودفع رأس المال الوطني إلى مغادرة البلاد لإحلال الموالين محلهم.
وفيما يتعلق بالأمن الغذائي، برزت مؤخراً أزمة حقيقية في مخزون القمح، تجلت في تضارب التصريحات بين شركة “المحسن إخوان” التابعة للجماعة ووزارة الاقتصاد الخاضعة لسيطرتها. ويعود جذر الأزمة إلى تدمير موانئ الحديدة والصليف وضعف قدرتها التشغيلية، مما أدى إلى انخفاض حجم التفريغ. وترافق ذلك مع إجراءات مشددة، أبرزها منع استيراد الدقيق تحت مزاعم “توطين الصناعات”، مما يثير مخاوف من زيادة معاناة السكان. وتُشير المصادر إلى أن هذه الأزمة تمثل انعكاساً لصراع اقتصادي بين مراكز نفوذ حوثية تتنافس على السيطرة على قطاع الاستيراد.
النهب الممنهج وتأسيس الجناح المالي السري
منذ عام 2014، مارست الجماعة سياسة النهب الممنهج للموارد المالية للدولة، حيث تم الاستيلاء على احتياطي البنك المركزي البالغ 5 مليارات دولار، والوديعة السعودية، ومبالغ ضخمة من الخزينة العامة وأذون الخزانة، مما يمثل أكبر عملية نهب للاقتصاد الوطني.
كما كشفت تقارير عن وجود شبكة مالية خفية تُدار من قبل قيادات في الجماعة عبر شركات وأشخاص مرتبطين بـ “الجناح المالي السري”. وتُعد هذه الشبكة امتداداً للمنظومة التي تعتمد عليها إيران في تمويل أذرعها الإقليمية. وتبرز شركة الروضة للصرافة كأحد الأعمدة الرئيسية لهذا الجناح، حيث لعبت دوراً محورياً في:
• تمرير أموال الجماعة عبر شبكات تحويل غير رسمية.
• السيطرة على سوق الصرافة والتحويلات واستخدامها كقناة لغسل الأموال.
• التحايل على العقوبات الأمريكية من خلال تغيير الملاك والأسماء القانونية وإجبار شركات الصرافة والبنوك المحلية على التعامل معها.
كما اعتمدت الجماعة على خبراء مصرفيين من جنسيات مختلفة، مما يعزز فرضية الإشراف الخارجي على إدارة الشبكة المالية. وقد تم إجبار القطاع الخاص والموظفين الحكوميين على فتح حسابات لدى هذه الشركات للسيطرة على السيولة النقدية وتعطيل البنوك الرسمية.
استغلال موارد المؤسسات الحكومية
كشف التقرير عن أدوار قيادات حوثية في منظومة الفساد، مثل علي سالم الصيفي، الذي عُين وكيلاً لوزارة الداخلية للشؤون المالية والإدارية. وقد قام الصيفي بتسخير موارد الوزارة، بما في ذلك أموال صندوق التقاعد وإيرادات مصالح الأحوال المدنية والجوازات والمرور، لإنشاء شبكة مالية وتجارية معقدة. شملت هذه الشبكة الاستثمار في شركات الصرافة، والخدمات الأمنية (مثل شركة فريجن)، والمقاولات، وتجارة السلاح، حيث يمتلك مصنعاً لإنتاج الأسلحة الخفيفة والمتوسطة. كما تم ربط شركة “لايت للصرافة” التي أنشأها بشركة “الروضة” لتسهيل غسل الأموال وتمويل أنشطة الجماعة.
بالإضافة إلى ذلك، يبرز اسم حسين صالح عيضة المطيعي، وهو أحد التجار النافذين في تجارة المشتقات النفطية، الذي يسيطر على شبكة مالية معقدة لخدمة أجندة الجماعة عبر شركات استيراد وتصدير متعددة، مثل “جازولين أمان” و”جنة الربيع” و”أرض الكرم”، والتي تُستخدم في عمليات التهريب والسيطرة على السوق.
الخلاصة
تؤكد هذه المعطيات أن جماعة الحوثي تتبع نهجاً ممنهجاً لاستنزاف رأس المال الوطني وتدمير القطاع الخاص، وتحويل الاقتصاد إلى أداة ضغط سياسي وعسكري. وقد أدت هذه السياسات إلى تفاقم الأزمة المالية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتراجع النشاط التجاري، مما يهدد بشكل مباشر استدامة الخدمات الأساسية ومعيشة السكان في مناطق سيطرتها.