مقالات صحفية


ترامب الإمبراطور الأسير

الأربعاء - 17 سبتمبر 2025 - الساعة 10:43 م

عبدالرحمن محمود
الكاتب: عبدالرحمن محمود - ارشيف الكاتب



لم يشهد التاريخ السياسي الحديث مشهداً أكثر إذلالاً لرئيس أمريكي مما نراه اليوم مع دونالد ترامب، الرئيس المغلوب على أمره، الذي دخل البيت الأبيض واعدا شعبه رافعاً شعار "أمريكا أولاً". غير أن الحقيقة سرعان ما تكشفت على نحو صادم: إسرائيل أولاً، وكل ما عداها مجرد تفاصيل ثانوية، كأن الشعب الأمريكي مجرد جمهور صامت في مسرحية هزلية من إخراج الأيباك واللوبي الصهيوني.

الضربة التي وجهها الكيان على قطر مؤخراً كشفت الوجه الحقيقي لترامب: عاجز، متناقض، ذو وجهين؛ ففي الوقت الذي ينفي فيه موافقته على الضربة، يصرح الإعلام الإسرائيلي بأنه وافق، وفي اللحظة التي يعلن فيها ترامب أن الأمر لن يتكرر، يرد نتنياهو متحدياً بأن الأمر سيتكرر! إن هذا المشهد ليس مجرد إهانة، بل هو صفع مباشر في وجه ترامب يعكس ضعفاً سياسيًا وخضوعا يمس الكرامة.

لا ندري هل ترامب تحت رحمة إسرائيل بحيث تمسك عليه ملفات سرية كقضايا تحرش موثقة أو أمور تتعلق بقضية جيفري أبستين أو ملفات أخرى، أم أنه يرضخ لأوامر النهج اليميني المتطرف والتعبئة التراكمية الخاطئة، أياً كانت الإجابة، تظل النتيجة واحدة: التضحية بمصالح الولايات المتحدة وشعبها في سبيل سياسات إسرائيلية وحروبها الدموية في المنطقة.

لقد دفع ترامب نحو تبني جميع سياسات نتنياهو العدوانية والوحشية، حتى ظهر ليس كمجرد شريك في الجريمة، بل كمنقلب على خطابه الذي كان يقدّم نفسه فيه على أنه "رجل سلام" يطمح لنيل جائزة نوبل! وبدا كدمية تُقاد بلا عقل نحو الصدام مع أقرب حلفائه، إذ إن انجراره وراء مخططات التهجير والإبادة وضعه في مواجهة مباشرة مع أقرب شركائه في المنطقة.

وما قامت به إسرائيل مؤخرا من قصف لدولة محمية أمريكياً وفيها أكبر قاعدة للأمريكان في الشرق الأوسط، يعد إهانة شخصية للرئيس ترامب وخيانة لأمير قطر، أقرب المقربين منه والذي أهداه طائرة فاخرة بقيمة 400 مليون دولار، وإساءة لتحالفات أمريكا ومنظوماتها الدفاعية. فأي حليف بعد اليوم سيؤمن لترامب؟ بعد هذه الإهانة لن يهدي أحد ترامب ولو قلمًا، ولن يثق به أحد في صفقات تسليح أو تحالفات تُنعش اقتصاد بلده وتزيد شعبيته. لقد وضع نفسه في موقف محرج وفخ مفتوح، وتداعيات هذا الانكسار لن تمر بسلام.

أما أمريكا نفسها، فبقوتها وعظم مساحتها وإمكانياتها وتعداد سكانها، قد تحولت إلى مجرد أسيرة تحت رحمة إسرائيل، التي أسرت قيادتها بواسطة الأيباك واللوبي الصهيوني. الدولة التي تقدم نفسها على أنها النموذج الأسمى للحرية والديمقراطية ليست سوى تابع ذليل، والمتأمل في سياساتها اليوم تجاه قضية فلسطين يجد أنها مجرد ورق حمام لتنظيف جرائم الاحتلال؛ وهذا عار على قيادة أمريكا وعلى البلد ككل.

العلاقات بين الدول تحكمها المصالح لا العواطف والأهواء، إلا أن سلوك أمريكا يشبه تصرف فتاة مراهقة مهووسة بعشيقها. إن التبعية المطلقة لإسرائيل أضعفت مكانة أمريكا الدولية لصالح تنامي نفوذ الصين وروسيا، كما أن دعمها المالي والعسكري اللامحدود لإسرائيل كلفها الكثير وتسبب بمخاطر داخلية: عجز كبير في الميزانية، ديون متصاعدة، تباطؤ اقتصادي، تضخم مرتفع، وتراجع نمو الناتج المحلي، كل ذلك يتطلب إصلاحات عاجلة. ومعلوم أن السفينة إذا أوشكت على الغرق تضحي بالحمولة لتنجو، كما أن الوزغ "أبو بريص" إذا شعر بالخطر يضحي بذيله، فهل الوزغ أذكى من أمريكا؟! فالملاحظ أن أمريكا تضحي بجسمها كله من أجل ذنبها إسرائيل؟!

ثم لماذا لا يتعض القادة الأمريكيون من الموقف الأوروبي الإيجابي حين أدانوا إسرائيل وتبرؤوا من إجرامها المشين؟ وأين هم من موقف روسيا والصين الذين قالوا كلمة حق وأدانوا التصرف الصهيوني الأرعن في مجلس الأمن؟ وأين شعب أمريكا من الحفاظ على دولتهم والضغط على قادتهم لإفشال هذا العبث؟ فما مصلحتهم في أن يكونوا وقوداً لسياسات مريضة؟ هل هذه هي الديمقراطية المزعومة التي تفصلهم تماما عن قادتهم أم أنها في حقيقتها ليست إلا شعار براق غير قابل للتطبيق على أرض الواقع؟

خطوات كهذه تعيق مخططات الولايات المتحدة لتعزيز الدخل القومي، وتهز سياساتها الاقتصادية، إذ بات واضحاً أن الحماية الأمريكية لا تنفع ولا تصمد أمام العدوان في كل مرة، فكيف يُعقل أن تُستباح دولة تحت المظلة الأمريكية مرتين خلال عام واحد مرة من إيران ومرة من إسرائيل في حين عجزت واشنطن عن حماية حلفائها أو حتى فرض هيبتها؟ هذا المشهد يطرح علامات استفهام كبرى حول جدوى الاحتماء بالأمن الأمريكي، وهو ما سيؤدي لتراجع الإقبال عليه ويضعف مكانة أمريكا الاقتصادية والأمنية مستقبلا.

والسؤال المحير: ماذا تستفيد أمريكا أو أي دولة أخرى من معاداة الحق والوقوف مع الظلم، ومعاداة ملياري مسلم—ربع سكان الأرض—الذين وصف كتابهم المقدس النصارى بأنهم أقرب مودة لهم؟ وماذا تستفيد من معاداة العالم الحر، والدول الصديقة، وحتى شريحة كبيرة من شعبها التي تأبى الظلم؟ النتيجة واحدة: تشويه سمعتها، وترسيخ صورتها كغطاء للشر، وكل ذلك من أجل سرطان خبيث ضرره أكبر من نفعه، وأجمع العالم على شره وتخطئته، لا شك أن استمرار الارتهان لإسرائيل يضع أمريكا في مواجهة مباشرة مع العالم الإسلامي ومع كتل دولية صاعدة مثل الصين وروسيا، الأمر الذي يعمّق عزلتها ويزيد من أزماتها.

في النهاية، أمريكا التي ادّعت أنها "أعظم أمة"، تحولت إلى إمبراطورية أسيرة، تحت رحمة كيان صغير، يستحوذ على قرارها ويهين قادتها، ويزج بهم في صراعات تفقدهم الهيبة وتضعف مكانتهم ومصداقيتهم أمام العالم. هذا هو المشهد المذل الذي لم يسبق له مثيل: إمبراطور مكبل، وشعب مغيّب، ودولة عظمى تجر ذيلها بلا كرامة خلف دولة حقيرة وكيان لقيط.

إن أمريكا اليوم بحاجة إلى ثورة حقيقية للخروج من بوتقة الذل والإهانة والتبعية والولاء الأعمى لإسرائيل، كما قامت بثورتها ضد الاستعمار البريطاني قبل أكثر من قرنين. فالقرار السياسي، والمال، والسلاح الأمريكي كله يتأثر عبر وكلاء اللوبيات الإسرائيلية والقادة المتحالفين معها، مما يجعل استقلال القرار الوطني الأمريكي مرهونًا بهذه التأثيرات الخارجية. فطالما لم يحدث تغيير جذري في بنية القرار الأمريكي، يعيد له استقلاليته واعتباره، فإن مسار الانحدار سيستمر، وربما يضع الولايات المتحدة في موقع لم تعهده منذ تأسيسها.





شاهد ايضا


مجلس الشورى يؤكد دعمه لخطاب رئيس مجلس القيادة ويدعو إلى توحيد الصف لاس ...

الأربعاء/22/يوليو/2026 - 12:01 ص

أعلن مجلس الشورى تأييده الكامل لمضامين خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، مؤكداً أن استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب يمثلان الأساس لتحقيق السلام الع


ترامب يوجه باستئناف الرحلات الجوية الأميركية إلى لبنان ...

الثلاثاء/21/يوليو/2026 - 11:20 م

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب توجيه إدارته بالسماح لجميع شركات الطيران الأميركية باستئناف الرحلات الجوية المباشرة إلى لبنان، وذلك عقب لقائه الرئيس


مملكة البحرين تؤكد دعمها لوحدة اليمن وسيادته وتدين بشدة التهديدات الإر ...

الثلاثاء/21/يوليو/2026 - 10:43 م

أعربت مملكة البحرين، عن ادانتها واستنكارها الشديدين للتهديدات الإرهابية الصادرة عن ميليشيا الحوثي الإرهابية، المدعومة من النظام الايراني تجاه المملكة