مقالات صحفية
قلب الطاولة الاقتصادية: كيف حوّل الرئيس العليمي ورقة النفط والمرتبات إلى مأزق للمليشيا الحوثية؟
الثلاثاء - 21 يوليو 2026 - الساعة 10:16 م
سارعت المليشيا الحوثية إلى الاحتفاء بإعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي بشأن استئناف تصدير النفط وربط عائداته بصرف المرتبات، واعتبرته رضوخًا لابتزازها العسكري، فيما راحت أبواقها تروج بأن الحكومة "اعترفت" أخيرًا بأنها كانت تمنع المرتبات وتنهب النفط.
غير أن هذه الدعاية لا تعكس حقيقة ما جرى، بل تحاول التغطية على مأزق سياسي واستراتيجي غير مسبوق وجدت المليشيا نفسها فيه. فما بدا لهم في ظاهر الأمر انتصارًا إعلاميًا، قد يتحول في الواقع إلى خسارة واحدة من أهم الأوراق التي ظلت تستخدمها طوال سنوات الحرب.
فالخلاف لم يكن يومًا حول مبدأ صرف المرتبات، وإنما حول من يدير الأموال ومن يضمن وصولها إلى مستحقيها. فقد أعلنت الحكومة الشرعية باسناد التحالف، في أكثر من محطة تفاوضية، استعدادها لصرف مرتبات الموظفين المدنيين وفق كشوفات عام 2014، باعتبارها آخر قاعدة بيانات رسمية قبل الانقلاب، بينما أصرت المليشيا على أن تمر الأموال عبر خزائنها، رغم أنها لا تخضع لأي رقابة أو مساءلة، ودون أي ضمانة لوصول الحقوق إلى أصحابها.
وهنا يبرز السؤال الذي حاولت المليشيا الهروب منه طوال السنوات الماضية: إذا كانت قضية المرتبات هي قضية تقاتل من أجلها، فلماذا رفضت أي آلية تضمن وصولها مباشرة إلى الموظفين؟ ولماذا أصرت على احتكارها؟
والإجابة لا تحتاج إلى كثير عناء؛ لأن المرتبات بالنسبة للمليشيا لم تكن يومًا حقًا للموظفين، بل كانت وسيلة للسيطرة على المجتمع. فكلما اشتدت الحاجة، ازداد اعتماد الناس عليها، وكلما اتسعت دائرة الفقر، أصبح تجنيد الشباب في جبهاتها أسهل. لقد حولت لقمة العيش إلى أداة ابتزاز، واستثمرت الجوع لتغذية مشروعها العسكري، ولذلك فإن استمرار انقطاع المرتبات كان يخدمها أكثر مما يضرها.
بل إن المنطق وحده يكشف زيف دعايتها. فمن المستفيد من استمرار حرمان الموظفين من رواتبهم؟ هل هي الحكومة التي تسعى إلى استعادة مؤسسات الدولة، وتجفيف منابع التجنيد للمليشيا، والوفاء بمسؤوليتها تجاه المواطنين؟ أم المليشيا التي بنت جزءًا كبيرًا من نفوذها على اقتصاد الحرب، وربطت لقمة العيش بالولاء لها والانخراط في صفوفها؟ إن صرف المرتبات بصورة منتظمة يعني مواطنًا أكثر استقلالًا وأقل خضوعًا للابتزاز، وهذا يصب في مصلحة الدولة ويقوض أحد أهم أدوات المليشيا في السيطرة على المجتمع. ومن هنا، فإن منطق الأحداث يقود إلى نتيجة واضحة: استمرار تعطيل المرتبات كان يخدم مشروع المليشيا أكثر مما يخدم الدولة.
ولو كانت معاناة الموظفين تمثل أولوية حقيقية للمليشيا، لبادرت إلى صرف مرتباتهم من مليارات الريالات التي جبتها طوال سنوات من الضرائب والجمارك والاتصالات وإيرادات ميناء الحديدة وغيرها من الموارد الواقعة تحت سيطرتها. لكن تلك الأموال وُجدت للمجهود الحربي، وللتعبئة، ولإدامة اقتصاد الحرب، ولتوزيع المكرمات والهبات لعناصرها والخمس والفعاليات الطائفية، بينما غابت عندما تعلق الأمر بحقوق ملايين الموظفين.
أما إعلان الرئيس العليمي، فلم يكن تراجعًا كما تدعي المليشيا، بل كان تحديًا مباشرًا لها. فقد أعلن المضي في استئناف تصدير النفط، وكسر عمليًا الحظر الذي حاول الحوثيون فرضه على هذا المورد السيادي منذ استهدافهم موانئ التصدير في عام 2022. وبذلك انتقلت الدولة من موقع الدفاع ورد الفعل إلى موقع المبادرة، وأكدت أن موارد اليمن لن تبقى رهينة لتهديدات جماعة مسلحة.
ولم تأتِ هذه الثقة من فراغ، فالمشهد اليوم يختلف كثيرًا عما كان عليه قبل سنوات. إذ كان الانقسام والتشتت داخل القوى المناهضة للحوثي من أبرز الأسباب التي شجعت المليشيا على التمادي وفرض معادلاتها. أما اليوم، وبعد أن توحدت معظم القوى العسكرية والأمنية تحت مظلة مجلس القيادة الرئاسي، وتراجع هامش المناورة أمام الحوثيين، فإن المليشيا تدرك أن أي مغامرة جديدة لاستهداف موانئ النفط قد تفتح عليها مواجهة أوسع وأكثر كلفة قد تفضي لزوالها، وهو ما يفسر اكتفاءها بالحرب الإعلامية ومحاولة تصوير المأزق على أنه انتصار.
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى؛ فالمبادرة التي تحاول المليشيا الاحتفال بها هي في الحقيقة التي وضعتها في الزاوية.
فإذا وافقت على استئناف تصدير النفط وصرف المرتبات وفق كشوفات عام 2014، فإنها تكون قد أسقطت بنفسها الرواية التي رددتها لسنوات، وخسرت أهم ورقة استخدمتها لابتزاز المجتمع، كما ستجد نفسها مضطرة للتعامل مع آلية تقودها الدولة اليمنية، لا سلطة الأمر الواقع التي فرضتها بقوة السلاح.
أما إذا رفضت، فستنكشف أمام اليمنيين على حقيقتها، وسيتأكد أن قضية المرتبات لم تكن سوى شعار للمزايدة السياسية، وأن قرارها لا تحكمه معاناة الموظفين، بل حسابات مشروعها المرتبط باستمرار الحرب والأجندة الخارجية التي تتغذى على الفوضى وإضعاف الدولة.
وهكذا، نقل الرئيس العليمي المعركة من ميدان الطائرات المسيّرة والابتزاز العسكري إلى ميدان السياسة والمنطق وسد الذرائع، حيث يصعب على المليشيا الهروب من الأسئلة. فأين ذهبت مليارات الجبايات طوال السنوات الماضية؟ ولماذا رُفضت كل الآليات التي تضمن وصول المرتبات مباشرة إلى أصحابها؟ وإذا كانت الجماعة تقاتل فعلًا من أجل الموظفين، فلماذا تخشى أن تصل رواتبهم إليهم بعيدًا عن قبضتها؟
لقد حاولت المليشيا أن تجعل من النفط ورقة لإخضاع الدولة، فإذا بها تتحول إلى ورقة تكشف تناقضاتها، وتضعها أمام خيارين كلاهما مر: إما القبول بخسارة أهم أدوات الابتزاز التي استخدمتها طوال سنوات، وإما الرفض، فتثبت لليمنيين أن من عطّل المرتبات لم يكن الدولة، بل الجماعة التي جعلت قوت الناس وقودًا لمشروعها.