مقالات صحفية


إيران وأمريكا.. حين تحوّلت المسرحية إلى حقيقة

الجمعة - 16 يناير 2026 - الساعة 05:11 ص

عبدالرحمن محمود
الكاتب: عبدالرحمن محمود - ارشيف الكاتب



في التاريخ القريب كما في البعيد، لم تكن التحالفات بين الدول يومًا قائمة على الأخلاق أو الثوابت، بل على المصلحة واللحظة المناسبة. دول تحالفت في حرب ثم تقاتلت في أخرى، وأطراف رفعت راية واحدة ثم تبادلت الخنادق. ألمانيا وإيطاليا كانتا حليفتين في الحرب العالمية الأولى ثم انقلبتا أعداء في الثانية، وأمريكا والاتحاد السوفييتي حاربا معًا هتلر ثم دخلا أطول صراع في القرن العشرين. هكذا تُدار السياسة الدولية: لا صداقات دائمة ولا خصومات أبدية، بل مصالح تتحرك، وحين تتصادم المصالح ينقلب المشهد كله.

لكن ما يميّز الحالة الإيرانية–الأمريكية–الصهيونية أن العداء المعلن لم يكن في معظم مراحله عداءً حقيقيًا، بل قناعًا كثيفًا لتعاون خفي، وخداع استراتيجي طويل الأمد، أُريد له أن يُضلّل الوعي العربي والإسلامي لأكثر من أربعة عقود. مسرحية متقنة في ظاهرها صراع وجودي، وفي باطنها إدارة مصالح، إلى أن اختلف الشركاء على تقسيم الكعكة، فانقلبت المسرحية إلى تصادم.

البداية تعود إلى ولادة نظام الخميني نفسه، النظام الذي يمكن وصفه بلا مواربة بأنه وُلد في رحم الغرب لا خارجه. فحين اندلعت ما سُمّيت بالثورة الإسلامية عام 1979، لم تكن – كما صُوّرت – ثورة خالصة ضد أمريكا، بل تحوّلًا مدروسًا جاء بعد أن احترقت ورقة الشاه سياسيًا وأخلاقيًا. الشاه لم يُسقط لأنه حليف للغرب، بل لأنه كان واضحا في تبعيته ما أفقده ثقة الشارع، ثم حينما حاول أن يخرج عن السيناريو ويستعيد ثقة شعبه ويخرج عن طور الخدمة للغرب، وبدأ يتصرف كقوة إقليمية مستقلة. عندها كان لا بد من بديل أكثر فاعلية وأشد مكرا وتلبسا وانضباطا: نظام يرفع شعار العداء للغرب علنًا لكسب الشارع، ويؤدي وظيفة تخدمه عمليًا لإرضاءه كونه الداعم.

لم يكن دور الغرب في صعود الخميني سرًا. فرنسا استضافته، الإعلام الغربي فتح له المنابر، والمخابرات الأمريكية رفعت يدها عن حماية الشاه في اللحظة الحرجة. لم يكن ذلك حبًا في الملالي، بل بحثًا عن نموذج "عدو شكلي" يمكن توظيفه داخل المنطقة. نظام يُقدَّم للمسلمين على أنه رمز مقاومة واستقلال، بينما ينفّذ في العمق وظيفة أخطر: تفجير المجتمعات من الداخل، وتفكيك الدول، ونقل الصراع من مواجهة إسرائيل إلى حروب مذهبية واستنزاف داخلي طويل الأمد، يهدئ قلق العدو الصهيوني ويزيل عنه مشقة المهمة ويخفف عنه عبء الحروب.

لم تمضِ سنوات حتى سقط القناع الأول. ففي منتصف الثمانينيات انفجرت فضيحة إيران–غيت، أكبر دليل موثق على زيف الخصومة. الولايات المتحدة تبيع السلاح لإيران المحاصرة، عبر وسطاء إسرائيليين، في ذروة الحرب العراقية–الإيرانية. كان العالم العربي يُستدرج للاعتقاد بأن إيران تقاتل وحدها ضد "الاستكبار"، بينما الحقيقة أن واشنطن وتل أبيب كانتا حريصتين على ألا تسقط طهران، وعلى ألا ينتصر العراق. الهدف كان واضحًا: إطالة أمد الحرب، إنهاك الطرفين، وتحطيم العراق بوصفه دولة عربية مركزية ذو نزعة عدائية تشكّل خطرًا استراتيجيًا على الكيان المحتل.

الأسلحة كانت تمر عبر الجسر الإسرائيلي، والوثائق نُشرت في الصحافة الأمريكية نفسها، ومع ذلك استمرت الرواية المبيعة للعرب عن "المقاومة الإسلامية". منذ تلك اللحظة لم يعد الحديث عن خصومة مبدئية مقنعًا، بل عن توزيع أدوار: إيران تصرخ، أمريكا تُدين، وإسرائيل تراقب النتائج على الأرض وهي الرابح الأكبر.

بلغت العلاقة ذروتها حين سقوط بغداد عام 2003، في مشهد لم يعد يحتمل التأويل. الغزو الأمريكي للعراق لم يُسقط نظام صدام فحسب، بل أسقط معه حاجز سدّ عربي في وجه التمدد الإيراني. ومن داخل غرف العمليات في بغداد والبصرة، كانت الميليشيات المرتبطة بالحرس الثوري تعمل جنبًا إلى جنب مع الاحتلال الأمريكي. وعود قُطعت، وصفقات أُبرمت، وبمجرد أن أُعلنت "العملية السياسية" حتى فُتحت أبواب الدولة العراقية على مصراعيها لأذرع طهران. أمريكا أسقطت النظام، وإيران استلمت الغنيمة كهدية مقابل العمالة والخدمة، وإسرائيل رأت حلمها القديم يتحقق: عراق مكسور، بلا جيش، بلا دور إقليمي، بلا سيادة، ويمهد لمشروع إقامة الدولة الصهيونية من النهر إلى النهر.

وفي لبنان، جرى تلميع حزب الله ضمن السياق ذاته. الإعلام الغربي والإسرائيلي، بطريقة غير مباشرة، ساهم في تقديم الحزب بوصفه رمزًا للمقاومة، خاصة بعد حرب تموز 2006. بدا المشهد وكأن إسرائيل تُهزم، لكن النتيجة الفعلية كانت تثبيت حزب مسلح فوق الدولة اللبنانية، وشلّ البلد سياسيًا واقتصاديًا، وربطه نهائيًا بالمحور الإيراني. مقاومة بلا تحرير، سلاح بلا دولة، وانقسام داخلي يخدم إسرائيل أكثر مما يضرها.

الأمر نفسه تكرر في صنعاء ودمشق. لم تدخل الميليشيا الحوثية العاصمة اليمنية مصادفة، ولم يكن تمدد النفوذ الإيراني في سوريا إنجازًا ذاتيًا خالصًا. كل ذلك جرى ضمن سياسة الإنهاك الإقليمي المتبادل. في سوريا، حين وصلت فصائل المعارضة إلى مشارف دمشق، جاء التدخل الروسي بضوء غربي أخضر غير معلن. الغرب لم يُرد سقوط النظام، بل استمرار الحرب. استمرار الحرب يعني استمرار الدور الإيراني، واستمرار تدمير سوريا، وتحويلها إلى ساحة مفتوحة لكل أنواع الاستنزاف.

من ذرّ الرماد إلى نار الحقيقة، ما جرى خلال أربعة عقود لم يكن إلا تطبيقًا عمليًا لسياسة ذر الرماد في العيون. إسرائيل أتقنت لعبة التصريحات: تذم حزبًا لتلمّعه وتزيد من شعبيته، وتهاجم إيران إعلاميًا لتغطي دعمًا خفيًا عبر القنوات الخلفية. تُشعل العداء بين الأحزاب، وتُعمّق الولاءات، وتُضفي العصمة على ميليشيات صُنعت لتقسيم الأمة. كانت الخيوط تُحرّك من يد واحدة، بينما يُستنزف العرب والمسلمون تحت رايات وشعارات لم تُطلق رصاصة واحدة في عمق تل أبيب دون حساب دقيق.

لكن المسرحية بدأت تتفكك حين تمرّد المقاول على المالك. حين شعرت طهران أنها تجاوزت الدور المرسوم لها، وأنها باتت قادرة على فرض مشروعها الخاص، تمددت من بغداد إلى بيروت، ولوّحت بالسيطرة على الممرات البحرية والخليجية، ورفضت تقديم المقابل المتفق عليه ضمن توازنات النفوذ. هنا بدأ ما يمكن تسميته بالتأديب الأمريكي–الصهيوني.

اغتيال قاسم سليماني، ضربات دقيقة لمواقع وقيادات، اغتيال علماء، استهداف أذرع في العراق وسوريا ولبنان، مقابل ردود إيرانية محسوبة ومسرحية: قصف قواعد مهجورة، تهديدات أمام الكاميرات. الرسالة كانت واضحة: تذكير بالحدود، لا إعلان حرب. فالعبد حين يُعاتَب لا يُسقط فورًا، بل يُذكَّر بوظيفته أولا.

غير أن التأديب لم يُجدِ. إيران تنكرت للدعم الصهيوأمريكي لها ولمليشياتها وامتنعت عن تقاسم الغنائم، ورفضت إعطاء إسرائيل حصتها ضمن ما عُرف بممر داوود. بحجة أنها قدمت الدماء، فنشوة التمدد، وحلم الإمبراطورية الفارسية، دفعا طهران إلى تجاوز نقطة اللاعودة. عندها انتهى زمن الخداع، وتحولت المسرحية إلى واقع صلب. بدأ الانفكاك الحقيقي، وبالتالي تم قصقصة أدوات إيران تباعًا: حزب الله أُنهك وعُزل، النظام السوري سقط، الحوثي تُرك دون الغطاء الذي كان يحميه، وتحول الاحتكاك بين الكيان وإيران إلى صدام مباشر، كما شهد العالم في حرب الاثني عشر يومًا الأخيرة، وما يحدث حاليا.

وهنا تتقاطع هذه الخلاصة مع شواهد اعترف بها حتى بعض صُنّاع المشهد أنفسهم. فمنذ لحظة التدخل الأمريكي في العراق عام 2003، لم يكن ما جرى مجرد إسقاط نظام، بل إعادة هندسة كاملة للتوازنات السياسية والاجتماعية. مسؤولون أمريكيون سابقون أقرّوا بأن سقوط بغداد أنهى سيطرة السنة على بلاد الرافدين لألف سنة، وفتح الباب عمدًا أمام تمكين قوى شيعية تتبع إيران بوصفها نفوذًا بديلًا يمكن الاستثمار فيه إقليميًا. هذا التمكين لم يكن مجانيًا ولا أخلاقيًا، بل مشروطًا بالوظيفة: تقويض الخصوم، وإدارة الصراع، وإعادة رسم خرائط النفوذ بما يخدم الاستراتيجية الكبرى لدولة الكيان الغاصب.

ولكن مع انتهاء غرض الاستخدام، بدأت لعبة تقاسم الغنائم. هنا ظهرت التصدعات، ليس فقط بين الراعي وأداته، بل داخل المنظومة نفسها. أصوات خرجت من داخل الدوائر التي شاركت في صناعة ما سُمّي بمحور المقاومة، تنتقد علنًا التدخل الإيراني وهيمنته على القرار، وتحمّل قيادات طهران مسؤولية مآلات دموية أصابت المجتمعات المحلية. شهادات من الداخل، لا من الخصوم، كشفت أن المشروع لم يكن مشروع تحرر، بل شبكة مصالح تفاوضت وتنازلت وفرضت نفسها بالقوة حين عجزت عن الإقناع.

النتيجة كانت واحدة في كل الساحات: فاعلون محليون تحوّلوا إلى أدوات في لعبة أكبر منهم. مُنحوا قوة مؤقتة، ثم وُضعوا أمام شروط قاسية حين طُلب منهم تسليم الممرات والمواقع وتقاسم النفوذ. فبالبداية قُدّموا كأبطال، ومن رفض لاحقًا وُصم أو عُوقب أو تُرك ليتآكل. وفي كل الأحوال، كان المدنيون هم الوقود الدائم لهذه الصفقات.

هكذا انتهى زواج المتعة السياسي، وحلّ الطلاق العلني. لم يتغيّر جوهر السياسة، بل انكشفت حقيقتها: من يبني مشروعه على دعم خارجي يبني كيانًا هشًا، قابلًا للبيع والتأديب في أي لحظة. وحين تختلف القوى الكبرى على الغنيمة، لا يبقى مجال للمسرح، بل تبدأ مرحلة كسر الأدوات نفسها، وهكذا لا تُهزم المشاريع حين تُستهدف من خصومها، بل حين تنكشف حقيقتها أمام من صُدِّرَت إليهم بوصفها خلاصًا.





شاهد ايضا


مجلس الشورى يؤكد دعمه لخطاب رئيس مجلس القيادة ويدعو إلى توحيد الصف لاس ...

الأربعاء/22/يوليو/2026 - 12:01 ص

أعلن مجلس الشورى تأييده الكامل لمضامين خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، مؤكداً أن استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب يمثلان الأساس لتحقيق السلام الع


ترامب يوجه باستئناف الرحلات الجوية الأميركية إلى لبنان ...

الثلاثاء/21/يوليو/2026 - 11:20 م

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب توجيه إدارته بالسماح لجميع شركات الطيران الأميركية باستئناف الرحلات الجوية المباشرة إلى لبنان، وذلك عقب لقائه الرئيس


مملكة البحرين تؤكد دعمها لوحدة اليمن وسيادته وتدين بشدة التهديدات الإر ...

الثلاثاء/21/يوليو/2026 - 10:43 م

أعربت مملكة البحرين، عن ادانتها واستنكارها الشديدين للتهديدات الإرهابية الصادرة عن ميليشيا الحوثي الإرهابية، المدعومة من النظام الايراني تجاه المملكة