مقالات صحفية
إيران بين تنازلات سلطتها والاستثمار الأمريكي والإملاءات الصهيونية: هل تنهار الصورة الثورية؟
الأربعاء - 18 فبراير 2026 - الساعة 06:01 م
من يتابع مسار العلاقة بين إيران والولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة يلحظ ازدواجية واضحة تكاد تختصر المشهد كله؛ خطاب مرتفع السقف في العلن، شعارات عن الصمود ورفض الإملاءات، حديث متكرر عن "الاستكبار العالمي" و"محور المقاومة" ، وفي المقابل لغة مختلفة خلف الأبواب المغلقة: تفاوض، عروض، مرونة، وحديث عن استثمارات وفرص اقتصادية وإمكانية إعادة فتح قنوات مع واشنطن مهما كانت الكلفة السياسية لهذا التحول.
هذا التناقض يفرض سؤالًا حادًا: إلى أي مدى يمكن أن تمضي طهران في تقديم التنازلات تحت ضغط العقوبات والأزمات الداخلية، وهي التي بنت مشروعها السياسي طوال عقود على صورة المواجهة مع أمريكا وحلفائها؟ وهل يمكن لنظام قدّم نفسه بوصفه رأس حربة في الصراع أن يتحول إلى باحث عن تخفيف الضغوط ولو بثمن تقليص جزء كبير من أوراق قوته؟
منذ قيام الجمهورية الإسلامية، شكّل شعار "الموت لأمريكا" جزءًا مركزيًا من الهوية السياسية للنظام، وحضر في المناسبات والخطاب الرسمي والإعلامي. غير أن تتبع مسار المفاوضات يكشف أن الولايات المتحدة تتحول عند طاولة التفاوض من "شيطان أكبر" إلى طرف صديق تُخاطبه طهران بلغة المصالح: رفع عقوبات، فتح أسواق، استثمارات في الطاقة، ووعود بإنعاش اقتصادي واسع إذا ما تم التوصل إلى اتفاق.
طرحت إيران خلال السنوات الماضية تصورات تقوم على معادلة واضحة: مرونة في الملف النووي مقابل تخفيف الخناق الاقتصادي وإعادة الاندماج في النظام المالي العالمي. الرسالة الضمنية تكاد تكون مباشرة: لسنا في وارد مواجهة مفتوحة، لكننا نريد ضمان بقاء النظام وعدم خنقه اقتصاديًا. القراءة المتأنية للتصريحات المتبادلة ومسار التفاوض تشير إلى أن هذه البراغماتية أصبحت جزءًا من السلوك السياسي الإيراني في المرحلة الراهنة.
الانتقال من لغة الهتاف إلى لغة الأرقام لا يعني اختفاء الخطاب الثوري، لكنه يكشف أن الحسابات الواقعية باتت تتقدم على الشعارات. بقاء النظام واستقرار الداخل أصبحا أولوية تفوق الحفاظ على صورة "الثورية المطلقة" التي جرى ترسيخها لسنوات طويلة.
في المقابل، لا تنظر واشنطن إلى إيران باعتبارها ملفًا نوويًا تقنيًا فحسب. المسألة في نظرها أوسع: برنامج صاروخي، نفوذ إقليمي ممتد، شبكة تحالفات عابرة للحدود، وقدرة على التأثير في موازين القوى في أكثر من ساحة عربية.
فواشنطن وتل أبيب تريان أمامهما قوة إقليمية تمتلك برنامجًا صاروخيًا مؤثرًا، وشبكة تحالفات وامتدادات في أكثر من بلد عربي. وتريان كذلك أن هذه القوة لم تكن لتصل إلى ما وصلت إليه لولا مسارات دعم وتمكين سابقة، كُشف جانب منها في فضيحة "إيران جيت"، ثم ظهر للعلن في سياق أحداث غزو العراق 2003م، والتي أفضت عمليًا إلى توسيع الحضور الإيراني إقليميًا. كما ترافق ذلك مع توفير غطاء دبلوماسي ومنح ضوء أخضر لأنشطة توسعية تحت عنوان محاربة الإرهاب، ما سمح ببسط النفوذ الإيراني وزرع وتقوية الأذرع في ساحات مثل سوريا واليمن.
غير أن الخلاف تصاعد لاحقًا بين دولة الملالي والكيان الصهيوني، بعد أن برزت تباينات في المصالح. بحيث يرى مراقبون أن أكبر أسباب هذا التوتر يعود إلى رفض إيران تقديم ما اعتبرته واشنطن وتل أبيب "سهمًا" مستحقا مقابل ما قدمتاه من خدمات، في حين ترى طهران أنها دفعت الكلفة الأكبر وقدمّت الدماء ورأس المال لإنجاح المشروع، بينما تصنف واشنطن وتل أبيب هذا السلوك ضمن دائرة الغدر والجشع.
ومع اتضاح قدرة بلاد فارس على تهديد حسابات دولة الكيان الصهيوني عندما تتاح لها الفرصة، لم يعد الملف في نظر الطرفين مقتصرًا على التخصيب النووي فحسب، فضلا عن أن المفاوضات بحقيقتها عبارة عن إملاءات وفرض التزامات من طرف واحد. لذلك أصبح واضحًا أن سقف المطالب الأمريكية لن يتوقف عند نسبة اليورانيوم أو التعهد بعدم تطوير سلاح نووي فاعل، بل يتجاوز ذلك إلى ما هو أعمق وأكثر ارتباطًا ويشمل تقليص أدوات الردع الإيرانية وتقييد نفوذها الإقليمي، وبالتالي بإعادة ضبط التوازن الإقليمي برمته.
من وجهة نظر طهران، يبدو المطلوب أعمق من تفاهم تقني؛ إنه مسار تدريجي يهدف إلى تجريدها من عناصر قوتها ويزيد من إهانتها أكثر وبالتالي هي تضع سقفا لحد الإهانة بحيث لا يصل لعملية إخصاء الأجهزة التناسلية كما يطمح الخصوم. لذلك فإن أي تنازل إضافي في الملفات الاستراتيجية يُنظر إليه داخليًا باعتباره مساسًا بكيان الدولة لا مجرد خطوة تكتيكية، خصوصًا مع تصاعد الانطباع بأن كل تنازل لا يعقبه تحسن ملموس، بل يتبعه طلب تنازل جديد.
ورغم ذلك، قدّمت إيران خلال السنوات الماضية تنازلات مهمة: قبلت برقابة دولية مشددة، جلست سنوات على طاولة تفاوض معقدة، وفتحت الباب أمام مقاربات كانت مرفوضة سابقًا حتى على مستوى الخطاب. لكنها في الداخل تحرص على إبقاء صورة الثبات وعدم التراجع حاضرة بقوة، فتستمر في الحديث عن "رفض الإملاءات" و"التمسك بالثوابت"، بينما تعتمد خارجيًا خطابًا دبلوماسيًا براغماتيًا.
هذا الازدواج في الصورة يُنتج ضغطًا متزايدًا على الخطاب الرسمي، ويثير تساؤلات: إذا كانت طهران على حق دائمًا، فلماذا كل هذه المرونة؟ وإذا كانت غير مضطرة، فلماذا ذهبت إلى التفاوض أصلًا؟ مع مرور الوقت، يتسع الشرخ بين القول والفعل، ويصبح الحفاظ على التوازن بينهما أكثر صعوبة، الأمر الذي يهدد بتفاقم الانفصام وخلخلة البنيان.
ويتجلى هذا التناقض بوضوح في طريقة توزيع القوة. فكثير من الانتقادات الموجهة لإيران تنطلق من ملاحظة مفادها أن حدّتها تظهر بوضوح في ساحات عربية مضطربة، بينما تتقدم الحسابات الدقيقة عند احتمال اندلاع مواجهة مباشرة مع قوى كبرى، في خين تترك وكلاءها العرب يتحملون كلفة المواجهة المباشرة دون أي مبالاة. فالملاحظ بسلوكها حضور قوي في ملفات إقليمية متعددة، مقابل حذر شديد حين يتعلق الأمر بصدام مباشر مع الولايات المتحدة أو إسرائيل.
عمليات الاغتيال التي استهدفت شخصيات بارزة، والضربات التي طالت مواقع حساسة، قوبلت بردود محسوبة بدقة. ردود تحفظ الحد الأدنى من الردع الرمزي، لكنها لا تذهب نحو مواجهة مفتوحة قد تتجاوز قدرة الداخل الإيراني على الاحتمال. هنا يظهر بوضوح أن أولوية البقاء تتقدم على أي اعتبار آخر، وأن النظام مستعد لضبط إيقاع التصعيد وتحمل الالتزامات إلى أقصى حد ممكن.
هذا لا يعني غياب أدوات القوة كليا، بل يعني أن استخدامها يخضع لحسابات دقيقة. النظام يسعى إلى الرد كي لا يبدو ضعيفًا، لكنه يتجنب الانفلات الذي قد يجره إلى صدام واسع في لحظة يعاني فيها الداخل من أزمات اقتصادية وتوترات اجتماعية وتململ من كلفة الصراع المستمر.
في ظل هذا الشد المتبادل، يرتفع احتمال التصعيد غير المقصود. ليس بالضرورة في صورة حرب شاملة رغم ورودها أيضا، بل ربما عبر ضربات محدودة أو توترات عبر الساحات الإقليمية قد تتوسع فجأة بسبب خطأ في الحساب أو سوء تقدير للتوقيت. كلما طال أمد التوتر دون حسم، ازداد خطر الانزلاق.
إيران اليوم ليست الصورة المثالية التي قدمتها لنفسها كقوة لا تهتز، وليست أيضًا دولة منهارة بلا أوراق. هي تقف في منطقة وسطى: نظام مضغوط بالعقوبات، يسعى لتخفيف الخناق عبر التفاوض، ويحاول في الوقت ذاته الحفاظ على ما تبقى من هيبة الردع. يمكن انتقادها لأنها رفعت سقف الشعارات ثم عادت تفاوض على الحد الأدنى من المكاسب الواقعية، ويمكن في الوقت ذاته فهم أنها تحاول تجنب الأسوأ وتأجيل لحظة الانفجار بثمن تنازلات مؤلمة.
في النهاية، تعيش إيران أزمة بين صورة صنعتها لنفسها وواقع يفرض شروطه عليها. كلما اتسعت الفجوة بين الصورتين، ازداد الضغط الداخلي وتعاظمت كلفة إدارة التناقض. والسؤال الذي سيحسم المسار ليس فقط ما إذا كانت صفقة ستُبرم أم لا، بل أي منطق سيتغلب في نهاية المطاف: منطق الشعار أم منطق البقاء؟!
وفي محاولة لتصوير صعوبة الموقف الإيراني، يمكن تشبيه هذا التوتر بما ورد في قصة المتنبي وبيته الشعري:
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
وذلك حينما فرضت عليه نخوته عدم التراجع ورفض التنازل من أساسه ليخوض النزال مع ادراكه للخسارة حتى لا يكون مسخرة بين العرب.