مقالات صحفية
الأمن القومي أولاً: لماذا أصبح الحياد مستحيلاً أمام الخطر الإيراني في العالم العربي
الأحد - 01 مارس 2026 - الساعة 02:28 ص
في لحظات التحول الكبرى لا تُقاس المواقف بالشعارات، بل بالنتائج، ولا يُحاكم الفاعل السياسي بما يقوله، بل بما يفعله على الأرض، ومن هذا المنطلق، فإن سؤال المرحلة ليس: "من نكره أكثر؟" بل: "من يهدد أمننا القومي مباشرة الآن؟"
طوال سنوات، رُوّج في بعض الأوساط خطاب يُهوّن من الخطر الإيراني، ويقدمه باعتباره "أخف شراً" من خصوم آخرين. لكن الوقائع الميدانية في سوريا والعراق واليمن ولبنان تقول إن النفوذ الإيراني لم يكن يوماً مشروع إنقاذ، بل مشروع تدمير واقتتال واختراق وتفكيك وإعادة تشكيل للخرائط السياسية والاجتماعية وفق منطق الميليشيا لا منطق الدولة.
المعيار العقلاني بسيط: هل ساهمت سياسات طهران في تقوية الدولة الوطنية العربية أم في إضعافها؟ هل دعمت مؤسسات الجيوش النظامية أم أنشأت أذرعاً موازية تنازعها الشرعية؟ هل خففت منسوب الفتنة الطائفية أم غذّته بوصفه أداة نفوذ لها؟ الإجابة في معظم الساحات واضحة لمن أراد أن ينظر بلا عاطفة.
بل إن المفارقة أن بعض الدول العربية التي التزمت الحياد تجاه إيران وهوّنت من خطرها أو خففت انخراطها في صراعات المحاور، وجدت نفسها هدفاً لرسائل ضغط أو تهديد أو انتهاك للمجال السيادي؛ وهنا تنتقل المسألة من خلاف سياسي إلى تهديد مباشر للأمن القومي العربي.
حاليا قيام إيران بإغلاق مضيق مضيق هرمز وهو شريان حيوي للتجارة والطاقة لدول الخليج والعالم لا يُقرأ كرسالة موجهة إلى قوة بعيدة فحسب، بل كخطوة تمسّ اقتصادات دول الخليج مباشرة. وأي مساس بالممرات البحرية أو بالمجالات الجوية أو بالمنشآت المدنية لدول عربية، هو تجاوز لخطوط حمراء لا يمكن تبريره بشعار "المقاومة" أو "محور الممانعة".
وفي المقابل، شهدنا مواقف تضامن واضحة من عواصم عربية، حيث أكد ولي العهد السعودي دعم المملكة الكامل لأشقائها في قطر والبحرين والإمارات والكويت والأردن في مواجهة الاعتداءات الإيرانية التي تمس سيادتهم. رغم أن هذه الدول التزمت الحياد بل ورفضت السماح للطيران الأمريكي بشن هجماته عبر مجالها الجوي، ومع ذلك تعرضت سيادتها للاختراق، ولم يقتصر الاستهداف للقواعد الأمريكية حسب زعمهم، بل استهدفت منشآت مدنية ومطارات وأبراج وبنى تحتية لا علاقة لها بأي معركة مباشرة، إن هذا المشهد يعكس إدراكاً متنامياً بأن التهديد حين يطال دولة عربية واحدة فإنه يتحول إلى اختبار جماعي، وأن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن العربي بأكملها.
أما من الناحية الدينية، فالمسألة لا تُدار بالعاطفة ولا بشعارات الثأر، بل بميزان المصالح والمفاسد؛ فالحديث النبوي الصحيح الذي جاء فيه: "ستصالحون الروم صلحاً آمناً، فتغزون أنتم وهم عدواً من ورائهم..."، لا يُفهم بوصفه دعوة مفتوحة لتحالف عسكري عابر للضوابط، بل باعتباره تقريراً لقاعدة شرعية معروفة: جواز التحالف المرحلي لدفع عدو مشترك، إذا اقتضت المصلحة ذلك، ضمن ضوابط واضحة تحفظ القرار ولا تفرّط في السيادة.
الفقه السياسي الإسلامي لم يكن يوماً خطاباً انفعالياً، بل بُني على قواعد مثل: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، و"لا يُدفع الشر بشر أعظم منه"، والآية الكريمة واضحة الدلالة في هذا الصدد: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها}. فإذا كان ثمة خصم بعيد تفوق قدراته قدراتنا، وخصم آخر يتمدد في ساحاتنا ويستثمر في انقسامنا ويستنزف دولنا من الداخل، والأهم أنه مقدور عليه سياسياً واستراتيجياً وعسكرياً؛ فإن ترتيب الأولويات يصبح ضرورة عقلانية وشرعية معاً.
ولنا العبرة حينما وقفت إيران بدورها مع الأمريكان ضد العراق، فهل هذا حلال لها وحرام على غيرها؟! إن الإشكالية الكبرى في الخطاب العاطفي أنه يخلط بين العدو الاستراتيجي البعيد، والخصم التكتيكي القريب، فيُعطّل القدرة على إدارة الصراع وفق موازين القوى. السياسة ليست مفاضلة أخلاقية مجردة، بل فن ترتيب الأولويات وحساب الكلفة والنتائج.
ثم إن الادعاء بأن إيران "تدافع عن العرب" يصطدم بسؤال واقعي: متى تدخلت طهران عسكرياً دفاعاً عن دولة عربية تعرضت لاعتداء خارجي دون أن يقترن تدخلها بتمكين نفوذها الداخلي ونشر الفوضى والانقسام؟ ومتى واجهت قوة كبرى مباشرة دفاعاً عن أرض عربية خارج حساباتها التفاوضية؟
النتيجة التي لا يمكن تجاهلها أن مناطق النفوذ الإيراني اتسمت غالباً بإضعاف الدولة المركزية، وتعزيز الانقسام، وتحويل القرار الوطني إلى رهينة توازنات خارجية. وهذا ليس اتهاماً إنشائياً، أو كلاماً عبثياً، بل قراءة لمسارات سياسية امتدت لأكثر من أربعة عقود، حيث تمدد النفوذ الإيراني وتغلغل عبر أذرع غير نظامية أكثر مما تمدد عبر علاقات ندّية بين دول، وهو ما يجعل التهديد الإيراني تهديداً مركباً، داخلياً عبر الاختراق، وخارجياً عبر الضغط المباشر، فيرتقي بذلك إلى صدارة سلم الأولويات الأمنية.
من هنا، فإن الدعوة إلى إنهاء الحياد لا تعني التهور ولا تعني الحرب الشاملة، بل تعني بناء استراتيجية ردع واضحة: تنسيق أمني عربي، تحالفات دولية مدروسة، تعزيز القدرات الدفاعية، وتوحيد الرسائل السياسية. الأمن القومي لا يُدار بالشعارات، بل بالتحالفات المحسوبة وببناء القوة الذاتية.
والتحالف المرحلي مع قوة دولية — أياً كانت — لا يُفهم كخضوع، بل كأداة في ميزان القوى، ما دام القرار العربي مستقلاً، والمصلحة العربية والإسلامية هي البوصلة. فهنا نقول السياسة تعرف مفهوم "الحلف المؤقت ضد عدو مشترك" دون أن يتحول إلى تبعية دائمة.
وعند التأسي بالسيرة النبوية، نجد أن النبي ﷺ أبرم معاهدات مع قبائل يهود المدينة ضمن "صحيفة المدينة"، بهدف تأمين الجبهة الداخلية، وتنظيم العلاقة، وبناء تحالف دفاعي يحمي المدينة من أي عدوان خارجي. كانت تلك خطوة سياسية لحفظ الكيان الناشئ، لا تنازلاً عن العقيدة، ولا تفريطاً في الثوابت. الدرس هنا أن إدارة الصراع تقوم على الحكمة وتقدير المآلات، لا على ردود الفعل الآنية.
إذاً، يمكن القول إن المرحلة وتحولاتها تفرض إعادة ترتيب الأولويات. الخطر الذي يتمدد في الفراغات العربية، ويستثمر في هشاشة الدول، ويتغذى على الانقسام ويغذيه، بل ويعتدي على السيادة، لا يُواجه بالحياد السلبي. بل يُواجه برؤية واضحة، واصطفاف محسوب، وإرادة سياسية تعتبر أن حماية الداخل مقدمة على الاشتباك الخطابي مع الخارج، وتستدعي الاحتفاظ بحق الرد.
الأمن القومي أولاً. وكل ما عداه يُرتَّب في ضوء هذه القاعدة، لأن الدول التي لا تحدد عدوها الحقيقي ولاتعطي الأولوية لأمنها القومي، ستُستنزف في معارك جانبية، تمكن أعدائها منها.