مقالات صحفية


توقيت يكشف النية: صاروخ الحوثي بين الدعاية والهروب من استحقاق ما بعد ستوكهولم

الأحد - 29 مارس 2026 - الساعة 12:52 ص

عبدالرحمن محمود
الكاتب: عبدالرحمن محمود - ارشيف الكاتب



لا يمكن قراءة إعلان الحوثيين إطلاق صاروخ باتجاه تل أبيب بوصفه تحولًا عسكريًا حقيقيًا، بل هو خطوة محسوبة بدقة في سياق دعائي متكامل، اختير توقيتها ليخدم هدفًا داخليًا واضحًا. فالمسألة لا تتعلق بفتح جبهة مؤثرة، بل بمحاولة استباق لحظة حاسمة تقترب سريعًا: نهاية اتفاقية ستوكهولم في 31 مارس، وهي اللحظة التي تعني عمليًا سقوط الغطاء الذي مكّن الجماعة من تثبيت واقعها طوال السنوات الماضية.

هذا التوقيت وحده كافٍ لكشف النية. فلو كانت الجماعة صادقة في ادعاء الانخراط في معركة إقليمية أو دعم حلفائها، لكانت شاركت مبكرًا كما فعل حزب الله، لا أن تنتظر حتى لحظة حساسة داخليًا ثم تعلن “الدخول” عبر صاروخ محدود التأثير. التأخر هنا ليس تفصيلًا، بل دليل على أن القرار لم يكن عسكريًا، بل دعائيًا مرتبطًا باستحقاق داخلي ضاغط.

تدرك الجماعة أن ما بعد ستوكهولم لن يكون كما قبله، وأن انتهاء الاتفاق قد يفتح الباب أمام تحرك قوات الشرعية لاستعادة الدولة. ولذلك تسعى إلى بناء رواية مسبقة تُستخدم لاحقًا لتفسير أي مواجهة قادمة: تصوير الصراع على أنه جزء من مواجهة مع الصهاينة، وأن خصومها في الداخل ليسوا سوى أدوات في هذه الحرب. ومن هنا يأتي “التصعيد” كوسيلة لإسناد هذه الرواية، لا كخطوة لتغيير ميزان القوى.

ولو كانت الجماعة جادة فعلًا، لذهبت إلى خيارات ذات أثر حقيقي، لا إلى تحركات رمزية ثبت عبر سنوات أنها لا تُحدث فرقًا يُذكر. كان بإمكانها استخدام أوراق ضغط استراتيجية مثل تعطيل ممرات حيوية كـمضيق باب المندب، بما يحمله ذلك من تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد، أو توجيه ضربات نوعية إلى أهداف عسكرية ذات قيمة. بل وحتى استهداف القواعد الصهيونية في محيط إقليمي أقرب مثل إريتريا، وهو خيار أكثر واقعية من إطلاق صواريخ بعيدة محدودة الجدوى.

لكن تجاوز هذه الخيارات يكشف أن السقف محسوب، وأن الجماعة لا تريد تصعيدًا حقيقيًا، بل استعراضًا مضبوطًا. فهي تعلم أن ضربة طفيفة بهذا المستوى ستستجلب ردًا على “وزنها”، أي ردًا محدودًا لا يشل قدراتها العسكرية ولا يستنزف بنيتها القتالية التي تحتاجها في معركتها الأساسية ضد الجيش اليمني الذي يستعد لتحرير العاصمة من قبضتها ولعل السيناريو القادم في أقصى مداه لن يتعدى السيناريو السابق عن كونها ضربات محدودة تقابلها ردود محدودة دون تصعيد يصل الى حرب طاحنة. وهنا تحقق هدفها المزدوج: الحفاظ على قوتها الميدانية، وفي الوقت ذاته إعادة إنتاج دعايتها القديمة بأنها في مواجهة مع العدو الخارجي.

بهذا المعنى، يصبح الصاروخ أداة دعائية أكثر منه أداة قتال. فهو يقدّم للجماعة ما تحتاجه من خطاب، دون أن يفرض عليها كلفة لا تستطيع تحملها. كما يمنحها فرصة مبكرة لزرع سردية أن أي تحرك ضدها لاحقًا هو “حرب لصالح الصهاينة”، لا نتيجة طبيعية لمسار طويل من القمع والنهب والقتل والظلم وفرض الأمر الواقع بالقوة.

غير أن هذه السردية، مهما بدت براقة في ظاهرها لجذب أصحاب النظرة السطحية والمتأثرين بالخطاب العاطفي، لكنها تصطدم بواقع مختلف تمامًا. لأن العقلاء يدركون بأن الصراع بين الحوثي واليمنيين لم ينشأ بسبب موقف من الكيان الصهيوني، بل بسبب ممارسات داخلية تراكمت لسنوات، من مصادرة القرار الوطني، إلى قمع الحريات، إلى الانتهاكات الواسعة، والخطاب الطائفي الذي مسّ ثوابت المجتمع. هذه هي الأسباب الحقيقية التي صنعت الرفض، وهي التي تفسر استعداد معسكر الشرعية لخوض معركة استعادة الدولة كليا، وإنهاء امتداد لأفكار أيديولوجية متطرفة ألحقت ضررًا طويل الأمد بالمجتمع اليمني لعدة قرون.

في المحصلة، ما جرى ليس فتحًا لجبهة جديدة وحرب مصيرية، بقدر ماهو محاولة لإعادة تعريف الجبهة القديمة. صاروخ أُطلق نحو الخارج، لكنه في حقيقته موجّه إلى الداخل، هدفه إعادة تشكيل الوعي قبل أن تتشكل الوقائع تحسبا لأي هجوم في قادم الأيام من قبل الشرعية والتحالف سيما مع اقتراب نهاية اتفاق ستوكهولم، بما يوضح أن الوقت لم يعد في صالح الجماعة، وأن الدعاية مهما بلغت لن تغيّر حقيقة أن المرحلة القادمة تحمل استحقاقًا لا يمكن الهروب منه مطلقا.




شاهد ايضا


مجلس الشورى يؤكد دعمه لخطاب رئيس مجلس القيادة ويدعو إلى توحيد الصف لاس ...

الأربعاء/22/يوليو/2026 - 12:01 ص

أعلن مجلس الشورى تأييده الكامل لمضامين خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، مؤكداً أن استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب يمثلان الأساس لتحقيق السلام الع


ترامب يوجه باستئناف الرحلات الجوية الأميركية إلى لبنان ...

الثلاثاء/21/يوليو/2026 - 11:20 م

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب توجيه إدارته بالسماح لجميع شركات الطيران الأميركية باستئناف الرحلات الجوية المباشرة إلى لبنان، وذلك عقب لقائه الرئيس


مملكة البحرين تؤكد دعمها لوحدة اليمن وسيادته وتدين بشدة التهديدات الإر ...

الثلاثاء/21/يوليو/2026 - 10:43 م

أعربت مملكة البحرين، عن ادانتها واستنكارها الشديدين للتهديدات الإرهابية الصادرة عن ميليشيا الحوثي الإرهابية، المدعومة من النظام الايراني تجاه المملكة