مقالات صحفية


إيران.. من دعوات "الموت" إلى "التنسيق" وانتهاءً بـ"طلب الضمانات"... حين تكشف الوقائع ما أخفته الشعارات

الإثنين - 04 مايو 2026 - الساعة 11:29 م

عبدالرحمن محمود
الكاتب: عبدالرحمن محمود - ارشيف الكاتب



لم يكن التناقض الإيراني طارئًا، بل بنيويًا وممتدًا عبر عقود. ففي الوقت الذي كانت فيه طهران تملأ الشوارع بشعارات: "الموت لأمريكا" و"الموت لإسرائيل"، كانت الوقائع على الأرض تسير في اتجاه مختلف تمامًا.

ففي أفغانستان بعد 2001، أقرّ مسؤولون إيرانيون، بينهم محمد خاتمي، بوجود تنسيق مع الولايات المتحدة في مرحلة إسقاط طالبان، عبر دعم قوى محلية وتسهيل ترتيبات ما بعد السقوط. ولم يكن هذا تفسير خصوم، بل اعترافًا من داخل النظام نفسه.

وفي العراق بعد 2003، كان المشهد أوضح بكثير. فسقوط بغداد فتح الباب لنفوذ إيراني واسع في ظل واقع صنعته الحرب الأمريكية. بل إن الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد لم يُخفِ أن لبلاده دورًا في ترتيبات الغزو وما بعده، وأنها كانت حاضرة في صياغة المشهد الجديد. وهو سلوك يعكس تقاطعات لا تنسجم مع خطاب العداء المطلق، ولا مع دعوات التوحد التي تُطرح اليوم.

وقبل ذلك بسنوات، كشفت فضيحة إيران-كونترا عن تعاون مباشر بين طهران وواشنطن في صفقات سلاح سرية، في وقت كان فيه الخطاب العلني يصرخ بعداء مطلق.

هذه ليست حوادث معزولة، بل نمط متكرر: عداء في العلن، وتقاطعات مصالح في الخفاء.

ورغم ذلك، استمر ضخ الشعارات كما لو أنها حقيقة مطلقة: "الموت لأمريكا" و"الموت لإسرائيل". شعارات طُبعت في الفضاء العام، ورُددت في الحشود، حتى ترسّخ في أذهان كثيرين أن المواجهة قدر لا مفر منه، وأن "المعركة الكبرى" مسألة وقت.

ثم جاء التصريح الفاضح لقادتها: "نتمنى أن تعطينا إسرائيل ذريعة لنمحوها عن وجه الأرض". هنا سقط القناع نظريًا قبل أن يسقط عمليًا.

لأن "الذريعة" التي قُدمت كشرط للمواجهة لم تغب، بل تكررت: اغتيالات، ضربات، واستهداف مباشر. ومع ذلك، لم يتحرك الشعار، ولم تتحول التهديدات إلى مواجهة بحجم الخطاب المعلن، بل بقيت ضمن ردود محسوبة لا تتجاوز سقفًا معينًا فضلا عن أنها لا ترقى لمستوى الهجمات. بل إن تكرار "الذريعة" دون ترجمتها إلى فعل لم يكشف ترددًا فقط، بل أسقط أصل الرواية.

ثم جاءت لحظة الاختبار الحقيقي. إيران لم تبدأ الحرب أصلًا، بل أُرغمت عليها تحت ضغط التصعيد، بعدما اشتد الخلاف على توزيع النفوذ وتقاسم المكاسب.

لكن ما تلا ذلك كان كاشفًا أكثر من أي مرحلة سابقة. لم تتجه إيران إلى "المواجهة الكبرى" التي طالما روّجت لها، بل سارعت إلى البحث عن إيقاف الحرب، ثم إلى طلب وقف دائم، ثم إلى المطالبة بضمانات بعدم عودتها مستقبلًا، مع إصرار عجيب على هذا البند، ناهيك عن بقية التنازلات الواضحة والتي لم تروق للأمريكان الذين لديهم أطماع أكثر ربما تسعر الحرب من جديد.

وهنا لا تسقط الشعارات تدريجيًا، بل تنهار دفعة واحدة.

لأن السؤال لم يعد فقط: لماذا لم تبدأ الحرب؟ بل أصبح: لماذا تُقدَّم أولوية الإيقاف ثم ضمان عدم العودة؟

وعلى خلاف خطاب "الانتصار المزعوم"، فإن المنتصر يوسّع مكاسبه. أما من يطلب ضمانات لعدم عودة الحرب، فهو يكشف أن كلفة استمرارها أعلى من قدرته على تحملها، وهو ما يكشف أنه الخاسر الأكبر.

وهذا يعيد تعريف السلوك الإيراني في مجمله: التنسيق لم يكن استثناءً، والتفاوض لم يكن اضطرارًا عابرًا، والتصعيد لم يكن هدفًا بذاته، بل أدوات ضمن معادلة واحدة: البقاء أولًا.

وهنا تتضح وظيفة الشعار بعيدًا عن الهتاف. فشعارات "الموت" لم تكن مشروع حرب بقدر ما كانت أداة تعبئة، لحشد الجماهير، واستثارة العاطفة، وتمرير السياسات التوسعية داخل الإقليم، وفرض سردية صدامية تُستخدم لإسكات الاعتراض وتخوين المشككين.

لكن عند لحظة الحسم، تتراجع الشعارات، وتتقدم الحسابات.

ولهذا لا يعود السؤال: لماذا لم تُنفذ الشعارات؟ بل: لماذا استُخدمت أصلًا بهذه الكثافة؟

والإجابة التي تفرضها الوقائع: ليست لبناء معركة، بل لبناء حالة. حالة تعبئة مستمرة تُستخدم لتبرير السياسات التوسعية وزرع الأذرع وتدعيم المليشيات، بينما تُدار القرارات الحقيقية بمنطق مختلف تمامًا.

فبعد 47 سنة من "الموت لأمريكا"، انتهى المسار إلى طلب ضمانات منها، لا لمواصلة الحرب، بل لمنع عودتها.

ومن أفغانستان إلى العراق، ومن "إيران جيت" إلى طاولة التفاوض، ثم إلى طلب وقف الحرب والضمانات، يبقى النمط واحدًا لا يتغير:

"صوت مرتفع وصاخب في العلن... وحسابات باردة وتنازلات في الواقع."




شاهد ايضا


مجلس الشورى يؤكد دعمه لخطاب رئيس مجلس القيادة ويدعو إلى توحيد الصف لاس ...

الأربعاء/22/يوليو/2026 - 12:01 ص

أعلن مجلس الشورى تأييده الكامل لمضامين خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، مؤكداً أن استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب يمثلان الأساس لتحقيق السلام الع


ترامب يوجه باستئناف الرحلات الجوية الأميركية إلى لبنان ...

الثلاثاء/21/يوليو/2026 - 11:20 م

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب توجيه إدارته بالسماح لجميع شركات الطيران الأميركية باستئناف الرحلات الجوية المباشرة إلى لبنان، وذلك عقب لقائه الرئيس


مملكة البحرين تؤكد دعمها لوحدة اليمن وسيادته وتدين بشدة التهديدات الإر ...

الثلاثاء/21/يوليو/2026 - 10:43 م

أعربت مملكة البحرين، عن ادانتها واستنكارها الشديدين للتهديدات الإرهابية الصادرة عن ميليشيا الحوثي الإرهابية، المدعومة من النظام الايراني تجاه المملكة