مقالات صحفية
الاتفاق الصيني بين إيران والسعودية يقلب الموازين الدولية
السبت - 13 مايو 2023 - الساعة 02:10 ص
لدى عالم السياسة العديد من الفنون والمتغيرات التي قد لا يستسيغها العامة ولا يتفطن لها إلا القلة من النخب وأهل الإطلاع ومن لهم باع في هذه الأمور، ولطالما ذاعت بين الناس مقولة مشهورة للسياسي البريطاني الشهير تشرشل مفادها أنه: لا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة في عالم السياسة بل هي مصلحة دائمة، إلا أن هذه الجملة عندما تأتي على وجه الخصوص بجانبها النظري فقط فحينها يسهل قبولها؛ ولكن عندما يتم تطبيقها فعليا على أرض الواقع يصعب هضمها لدى العامة ومن لديهم قصور في فهم مفردات المعجم السياسي وطبيعة العلاقات الدولية، رغم إحاطة الكثير منهم بتلكم المقولة بل وعلمهم المسبق أن ذلك أمر منطقي لاغرابة فيه في أدبيات المسار السياسي.
ياترى ما المانع من تحويل المواقف السلبية إلى إيجابية تعود على الجميع بالخير والنفع والأمن والسلام، وبالتالي فتح المجال أمام الهدوء لتسيد الوضع بدلا من الاقتتال والحروب، سيما وأن الخطط السابقة للحل وصلت إلى نفق مظلم لايعلم أين آخره، وباتت تدور في فلك اللا حلّ؟!، وسط تخاذل أممي يعكس تآمرا مريبا، هنا تظهر الحقيقة وأهمية قلب الموازين، حيث إن تغيير سير المعادلة وقذف حجر لتحريك المياه الراكدة عبر أخذ زمام المبادرة بتجربة أخرى ولملمة المتغيرات المتناثرة وتدارك مايمكن تداركه من حبال الصلة والدق على وتر المصالح المشتركة هو أهم ما يحتاجه الحل السياسي لإنهاء الصراع المأساوي والعبث الدولي بأسرع ما يمكن، سيما وأن الضرر قد بلغ حدا لا يحتمل فمن الحكمة دفع الأمور السلبية وتحويل مسارها نحو الإيجابية، كما أن هنالك قاعدة فقهية تنص على أن الضرر يزال.
آفاق الحلول في المنطقة باتت أكثر وضوحا من ذي قبل والأنفاق المظلمة بدأت تشع فيها خيوط النور، إن لاعبين كبيرين في الشرق الأوسط بحجم المملكة العربية السعودية ودولة إيران لاشك أنهما قطبا التأثير في المنطقة، نحن نتكلم عن واقع بغض النظر عن طبيعة التأثير لأحد الفريقين إن كان سلبيا، فالجانب السلبي لعله قد يحمل أثرا أشد تعقيدا من الإيجابي؛ وهنالك مثل يقول: رب مخرب غلب ألف عمار، إن الفساد المليشاوي محاط بغطاء أممي لايسمح باستشراءه فحسب بل يساعد بطريقة أو بأخرى نحو تمكينه وإبقاءه، بسبب ما يتبناه من سياسات وبروتوكولات خاصة، فالنظام العالمي يعمل في صالح استمرارها ويفرض عليك مساراته وإلا حملك المشكلة وجعلك السبب الرئيس لها سيما وأن لديك وجه دبلوماسي على غرار المليشيا التي ليس عندها ماتخسره، فيعمد بالحفاظ عليها تارة باسم جهود السلام والتسويات وإن لم يعجبك فرفضت أصبحت أنت المعرقل!!، وتارة باسم حقوق الأقليات، وأخرى باسم دورهم بمكافحة التنظيمات الإرهابية ولو كانت المليشيات أصلا تفوق التنظيمات إرهابا وعنفا إلا أن تعريف الإرهاب لدى المجتمع الدولي يحول دونها، وغالبا إذا قيدت المليشيات وحشرت في الزاوية يأتي الانقاذ الأممي لها باسم سلامة المدنيين الذين تتغلغل المليشيات كالعادة في أوساطهم، وغير ذلك من المبررات التي مهما اتفقنا أو اختلفنا في سردها إلا أننا ندرك في نهاية المطاف أنها تخدم أهداف المليشيات وأجندتهم بشكل أو بآخر، والواقع خير شاهد وإذا كان غريمك القاضي فمن تشارع؟!.
لعل الاتفاق بين الجيران وتسوية الخلافات بالحوار والتفاهمات أفضل من أن يحتكم الطرفان لدى مشعل الفتنة بينهما، ولعل التحاور مع الرأس المسيطر خير من الإنشغال وإضاعة الوقت مع الأذيال والأذناب؛ فاليد العليا خير من اليد السفلى، كما يجب على الجميع أن يدرك حقيقة أن العلاقات الدولية هي مخاض تفاعلات بين الدول تأخذ أحد النمطين فقط لا أكثر: النمط التعاوني أو النمط الصراعي، وأن المصلحة الأولى للدولة تكمن في الحفاظ على كيانها قبل كل شيء، وأنه ليس من السهل معرفة الصديق من العدو في محيط العلاقات الدولية وأمواجه المتلاطمة، فضلا عن محاولة كسب الأعداء وجعلهم يصطفون خلفك، هذا أمر في غاية الصعوبة يتطلب مهارة كبيرة وحرفية عالية وكاريزما قلما تجدها في جعب الساسة والديبلوماسيين، ما يجعلنا نثق تماما أن ما قام به سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان من خطوات في هذا الصدد قلبت الموازين يعد بمثابة "ضربة معلم" وهو ماعبر عنه السياسي اللبناني الكبير وليد جنبلاط في حديث له أمام الجالية اللبنانية في الكويت.
وبعيدا عن هذا كله فإن أهم قضية لفتت الأنظار على هامش الإتفاق هي ما برز على السطح بموجب الاتفاق السعودي الإيراني الذي تم برعاية الصين أن البعض بات يعده بمثابة حجر الزاوية نحو تمهيد الطريق لعالم متعدد الأقطاب، بدلا من عالم أحادي القطب، بالتزامن مع ما تشهده الساحة الدولية من أحداث أبرزها الحرب الروسية الأوكرانية، وبالتالي إنهاء سياسة الهيمنة الأحادية التي شهدها العالم في العقود الماضية، فصعود روسيا والصين وتبادلهما الأدوار في المنطقة والعالم هو تحول راديكالي في النظام العالمي يحمل في طياته مخاض ينبئ بولادة نظام عالمي جديد، نحو عالم متوازن يخرجنا من طور النظام العالمي السابق الذي أرست قواعده الولايات المتحدة الأمريكية لتتزعم العالم سياسيا واقتصاديا وعسكريا لتتفوق كفتها وحفاظها الدائم على رجحانها في الميزان، ذلكم النظام الذي يجري الآن العد التنازلي لانتهائه وسنشهد خلال الفترة القادمة سقوطه المدوي وتحطم أركانه فما بني على باطل فهو باطل ومآله إلى الباطل لامحالة.