مقالات صحفية


الإعاشة بالدولار للمسؤولين خارج اليمن… عبثٌ اقتصادي وغضب اجتماعي

الإثنين - 25 أغسطس 2025 - الساعة 07:58 م

عبدالله محمد مناوس ـ رئيس تحرير مجلة جرهم
الكاتب: عبدالله محمد مناوس ـ رئيس تحرير مجلة جرهم - ارشيف الكاتب



في بلدٍ تتقلّب فيه الأسعار مع كلّ قفزةٍ في سعر الصرف، ويقف فيه المعلّم والجندي أمام أبواب المصارف ينتظران راتبًا يتيمًا بالريال لا يأتي، تتردّد في الفضاء العام أرقامٌ عن ملايين الدولارات تُصرف “إعاشةً” لمسؤولين يقيمون خارج الوطن، في فنادق وشقق مفروشة، بعيدًا عن صوت مولّدات الأحياء وصفوف الخبز. وبينما لم يصدر إلى الآن نفيٌ أو تأكيدٌ رسمي لخبر تحويل 11 مليون دولار “أمس” تحديدًا، فإن وجود منظومة إعاشة بالدولار لفئات من المسؤولين في الخارج ليس سرًا جديدًا وفق تقارير إعلامية سابقة؛ ما يجعل جوهر المشكلة بنيويًا لا مناسبتيًا.

عندما تتحدث تقارير سابقة عن ملايين الدولارات شهريًا تُنفق كـ“إعاشة”، فهذا يعني استنزافًا للعملة الصعبة في اقتصادٍ يعتمد على تدفقات محدودة من المنح والتحويلات. كل دولار يخرج “بدون مقابل إنتاجي” يضغط على الاحتياطي والطلب على العملات، ويزيد هشاشة الريال؛ فتنعكس الكلفة مباشرة على سلة الغذاء والدواء والمواصلات. إن تحويلات بهذا الحجم—سواء كانت 11 مليونًا دفعة واحدة أو قرابة 12 مليونًا شهريًا بحسب السياق الأوسع—تعني أننا نُموّل نمط عيش لا نمط عمل.

“الإعاشة بالدولار” ليست مساعدة اجتماعية، بل ترتيب سياسي لإبقاء شبكات الولاء راضية. يتحول القرار المالي إلى أداة ترضية بدل أن يكون سياسةً عامة. ومع الزمن يتكوّن لوبي منتفع يدافع عن استمرار التدفق مهما كانت كلفة ذلك على الداخل. هكذا تُخلق ثنائية ظالمة: مواطنون في الداخل يتلقون فتات الريالات المتأخرة، ومسؤولون في الخارج يتقاضون مخصصات صلبة بالدولار.

الرواتب في الداخل تتأخر لأشهر—للمعلمين، للعسكريين، للعاملين في المرافق الخدمية—بينما يسمع الناس عن “قوائم إعاشة” تضخ الدولارات إلى حسابات لا ترتبط بعملٍ ملموس داخل البلاد. الفارق لا يُقاس نقديًا فقط؛ إنه فارقٌ أخلاقي يقوّض ما تبقى من ثقة عامة. حين يشعر الجندي والمعلم أن الدولة لا تُنصفهما، تتآكل المشروعية وتضعف قابلية الناس لتحمل التقشف والتبعات.

الدولار الذي يغادر لخارج الحدود لا يرى أزمة الغاز ولا تكلفة السلة الغذائية. لكنه يعود كخبرٍ صادم يزرع الاحتقان: معلمُك الذي تضغط عليه ليعود للتدريس وراتبه 60 ألف ريال لم يُصرف منذ ثلاثة أشهر، وجنديٌ ينتظر مرتبه، كلاهما يصبحان وقودًا لخيبةٍ عامة. هذا الاحتقان مكلفٌ أمنيًا ومجتمعيًا بمرور الوقت.

ما العمل؟ (خطوات عملية قابلة للتنفيذ فورًا)
1.تجميد فوري لكل كشوفات “الإعاشة بالدولار” للمقيمين خارج البلاد، باستثناء من يباشر مهامًا دبلوماسية أو فنية مثبتة باتفاقيات عمل مع جداول أداء شهرية.
2.نشر قائمة شفافة بأسماء المستفيدين، المبالغ، الأساس القانوني لكل حالة، وفترة الصرف. الشفافية هنا مضادة للفساد.
3.ربط أي بدل إعاشة بإثبات الحضور والإنجاز: تقارير عمل شهرية، مخرجات محددة، وتقييم دوري، وإلا الإيقاف التلقائي.
4.إعادة توجيه الأولويات: يُصرف أولًا رواتب الداخل (المعلمون، الجيش والأمن، القطاع الصحي)، ثم تُدرس أي التزامات أخرى.
5.لجنة تدقيق مستقلة زمنياً (60–90 يومًا) تضم الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، والبنك المركزي، وخبراء مستقلين، لمراجعة العشر سنوات الأخيرة من صرف الإعاشة بالدولار ورفع تقرير علني بنتائج التدقيق.
6.توحيد قناة الدفع عبر نظامٍ مصرفي خاضع للرقابة والضوابط الامتثالية (KYC/AML)، ومنع أي تحويلات نقدية خارج هذا المسار.
7.سقفٌ قانوني للمخصصات بالعملة الصعبة يقرّه البرلمان/أو بقرار جمهوري مؤقت إلى حين الانعقاد، مع بنود إلغاء تلقائي عند تغيّر سعر الصرف أو تراجع الاحتياطي.
8.خطة تواصل عامة: بيانٌ رسمي يشرح لماذا تُلغى هذه الإعاشات، أين ستذهب الوفورات (رواتب الداخل)، وما هو الجدول الزمني للسداد—لخفض الضجيج ورفع الثقة.

حتى لو تبيّن لاحقًا أن مبلغ 11 مليون دولار “أمس” غير دقيق، فإن جوهر القضية أكبر من رقمٍ بعينه: لا يجوز أن يُحرم الداخل من راتبٍ بالريال بينما تُنفق ملايين بالدولار على “إعاشة” الخارج. الإصلاح هنا ليس شعارًا؛ هو قرار أولويات يعيد الاعتبار للمدرسة والمستشفى والجبهة، ويضع المال العام في مكانه الصحيح.




شاهد ايضا


القصف الأميركي يتصاعد على إيران وطهران توسع هجماتها في المنطقة ...

الجمعة/17/يوليو/2026 - 05:00 م

دخلت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر تصعيداً، مع استمرار الغارات الأميركية على أهداف داخل إيران لليوم السادس على التوالي، في


الفريق الصبيحي: الطريق نحو السلام المستدام يبدأ بتغليب المصلحة العليا ...

الجمعة/17/يوليو/2026 - 04:22 م

أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي، إن الطريق الثابت نحو السلام المستدام والكرامة يبدأ بتغليب المصلحة الوطنية العليا، ونبذ خطاب ا


الشهادة تؤسس… والميدان يختبر… والسلوك يثبت ...

الجمعة/17/يوليو/2026 - 03:17 م

رجالٌ في الجبهات منذ أكثر من عشر سنوات، في المتارس وبين الحديد والنار، مارسوا الحرب واقعاً، وعاشوا أقسى الظروف وأشدها. أما من يذهب إلى الأخبار، فيتخيل