مقدمة
تُظهر تجارب الدول الهشّة أو المتأثرة بالصراعات أن الفساد المالي والإداري غالباً ما يتحول من ممارسات فردية إلى نمط بنيوي يؤثر على عملية اتخاذ القرار الاقتصادي والسياسي. وفي الحالة اليمنية، تشكل قضية "قوائم الإعاشة الخارجية" نموذجاً صارخاً لهذا النمط، حيث صُرف ما يقارب 12 مليون دولار لمسؤولين مقيمين في الخارج، في وقت حُرم فيه الجنود المرابطون على الجبهات من أبسط استحقاقاتهم المعيشية. هذه المفارقة لا تقتصر على بعدها المالي فحسب، بل تكشف عن إشكالية أعمق ترتبط ببنية الحكم وأولويات الدولة في سياق الحرب.
أولاً: إطار نظري – الفساد البنيوي واقتصاد الحرب
يشير مفهوم الفساد البنيوي إلى الحالة التي يصبح فيها الفساد جزءاً من آليات النظام السياسي والاقتصادي، بحيث يُدار المال العام وفق شبكات مصالح وولاءات، لا وفق قواعد القانون والمؤسسات.
أما اقتصاد الحرب فيصف البنية الاقتصادية التي تُعاد صياغتها في ظروف النزاع المسلح، حيث تُوجَّه الموارد لتثبيت شبكات النفوذ أكثر من تلبية احتياجات المجتمع أو الجبهات العسكرية. وفي هذا الإطار، فإن قضية "الإعاشة الخارجية" ليست مجرد خلل إداري، بل انعكاس مباشر لتغوّل الفساد البنيوي ضمن اقتصاد الحرب اليمني.
ثانياً: مفارقات الأرقام
إعاشة الجندي: 800 ريال يمني يومياً (أقل من دولار واحد).
إعاشة موظف خارجي صغير: 80 دولاراً يومياً.
إعاشة مسؤول كبير: تصل إلى 2000 دولار يومياً.
وبالمقارنة، فإن المبلغ المصروف (12 مليون دولار/20 مليار ريال يمني) يكفي لتغطية إعاشة الجيش الوطني وقوات الأمن لثمانية أشهر متتالية. هذا الاختلال يعكس انتقال الموارد من "الخطوط الأمامية" إلى "جيوب النخب"، في انسجام مع منطق اقتصاد الحرب.
ثالثاً: التداعيات الاقتصادية والاجتماعية
1. إضعاف الثقة بالدولة عبر تكريس صورة مفادها أن السلطة أداة لخدمة النخب لا الشعب.
2. هشاشة اقتصادية متزايدة نتيجة حرمان الجيش من الاستحقاقات، مما يضعف الأداء العسكري والأمني.
3. إهدار موارد محدودة في وقت يعاني فيه الاقتصاد من تضخم وانهيار للعملة.
رابعاً: البعد القانوني والأخلاقي
قانونياً: صرف استحقاقات غير منصوص عليها يُعد جريمة اختلاس للمال العام.
أخلاقياً: انتهاك لكرامة الجندي الذي يخوض الحرب، وشرعنة لا مساواة صارخة.
خامساً: انعكاسات على خطاب "الإصلاح الاقتصادي"
الإصلاح في ظل هذه الممارسات يتحول إلى خطاب سياسي أجوف. إذ لا معنى لأي حديث عن استقرار العملة أو ضبط الإنفاق في ظل استمرار منح امتيازات مالية غير مشروعة لفئات محدودة، بينما تُترك المؤسسات الأمنية والعسكرية في حالة عجز.
خاتمة وتوصيات
تكشف قضية "الإعاشة الخارجية" عن عمق الأزمة البنيوية في إدارة الموارد خلال الحرب. ولمعالجة ذلك، يُوصى بما يلي:
1. إلغاء قوائم الإعاشة الخارجية وإعادة الأموال إلى الخزينة.
2. إعادة توجيه الموارد لدعم الجيش وقوات الأمن.
3. تعزيز الشفافية عبر هيئات مستقلة ومشاركة المجتمع المدني.
4. محاسبة المتورطين في صرف المبالغ، لضمان عدم الإفلات من العقاب.
إن وضع هذه القضية في إطار الفساد البنيوي واقتصاد الحرب يوضح أن المشكلة ليست في واقعة فساد فردية، بل في بنية كاملة تُعيد إنتاج الامتيازات على حساب المصلحة العامة. ومن ثم فإن إعادة الاعتبار للجندي ليست مطلباً أخلاقياً فقط، بل ضرورة لبقاء الدولة واستمرارها.