مقالات صحفية


خرافات 1948 وعقلية «الفيْد» المريضة.. تعز ليست رعية لتخيفوها بالأساطير!

السبت - 24 أكتوبر 2026 - الساعة 11:25 م

أحمد حوذان
الكاتب: أحمد حوذان - ارشيف الكاتب



حين يخرج نصر الدين عامر، منتحل صفة رئيس مجلس إدارة وكالة الأنباء اليمنية «سبأ» الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي في صنعاء، ملوّحًا بإمكانية تطبيق ما جرى في صنعاء عام 1948 على مدينة تعز، فإنه لا يقدم قراءة تاريخية بريئة، بل يطلق خطابًا خطيرًا يستحضر أحداثًا دامية في سياق التهديد بمدينة يمنية قاومت مشروع الانقلاب وتمسكت بالجمهورية. فعبارته المنشورة: «الحل الذي قام به في صنعاء لا يستبعد أن نقوم بتطبيقه في تعز» تضعنا أمام سؤال واضح: أي حل يريد عامر استنساخه، ولماذا يستحضر أحداثًا تاريخية دامية ليربطها بمصير تعز اليوم؟

في عام 1948، شهد اليمن صراعًا دمويًا أعقب اغتيال الإمام يحيى حميد الدين، ثم استعاد الإمام أحمد الحكم، وقُمعت الثورة الدستورية وأُعدم عدد من قادتها. وارتبطت تلك المرحلة بأحداث دامية، بينها نهب صنعاء عقب استعادة الحكم. واليوم، بعد نحو ثمانية عقود، يخرج مسؤول إعلامي في جماعة الحوثي ليلوّح بإمكانية تطبيق ما جرى آنذاك على تعز، وكأن اليمن لم يتغير، وكأن الشعب ما زال رعية تنتظر أوامر الإمام، وكأن المدن اليمنية ملكية خاصة تُستباح حين يرفض أهلها الخضوع.

نقول لنصر الدين عامر: نحن اليوم في عام 2026، ولسنا في عام 1948. اليمنيون ليسوا رعايا في عهد الإمامة، وتعز ليست مدينة قابلة للكسر بالتهديد، وأبناؤها ليسوا شعبًا يمكن إخضاعه باستدعاء خرافات الماضي والحزاوي أو التلويح بأساليب القمع والانتقام. لقد تغير اليمن، وتغير وعي أبنائه، وأصبح الشعب أكثر إدراكًا لطبيعة الصراع الذي يخوضه دفاعًا عن الجمهورية وحقه في دولة المواطنة والقانون.

إن استحضار أحداث الإمامة بهذه الطريقة يكشف مأزقًا سياسيًا وفكريًا لدى من يتصورون أن إخافة اليمنيين بالتاريخ يمكن أن تعوض عجزهم عن إقناعهم بمشروعهم. إنها عقلية «الفيْد» التي تتعامل مع المدن والسكان بوصفهم غنائم، ومع السلطة باعتبارها امتيازًا يُفرض بالقوة، لا مسؤولية تُكتسب بإرادة الشعب. وهذه العقلية، مهما غلّفت نفسها بالشعارات، لا تستطيع إخفاء جوهر مشروع يريد إخضاع المجتمع وإعادة إنتاج الوصاية السلالية على اليمنيين.

عن أي «حل» يتحدث عامر؟ هل يقصد استعادة أساليب القمع التي أعقبت أحداث 1948، أم أنه يلوّح بإمكانية استخدام القوة ضد تعز وسكانها؟ لا يجوز القفز إلى استنتاج النية قبل التحقق، لكن العبارة المنشورة تستحق المساءلة السياسية والقانونية، كما تستوجب وضع مضمونها أمام مجلس الأمن الدولي والجهات الدولية المعنية، لأن التهديد بتكرار أحداث دامية ضد مدينة مأهولة بالسكان ليس أمرًا يمكن تجاهله، ولا سيما حين يصدر عن شخص يشغل موقعًا قياديًا في مؤسسة إعلامية خاضعة لسيطرة جماعة مسلحة.

ونقول لنصر عامر بوضوح: هل يعني عجزكم عن دخول تعز أنكم تريدون إبادتها بالصواريخ؟ وهل أصبح الخيار أمامكم إما إخضاع المدينة بالقوة، أو تحويلها إلى ركام وإعدام كل من فيها؟ أهذا هو «الحل» الذي تلوّحون باستعادته من ذاكرة الإمامة الدموية؟ إذا كنتم عاجزين عن إخضاع تعز، فليس من حقكم الانتقام من أهلها أو استهدافهم لأنهم رفضوا مشروعكم. تعز ليست مدينة يجب أن تدخلها مليشياتكم أو تُبيدوا سكانها؛ إنها مدينة يمنية، وأهلها مواطنون لهم حق الحياة والأمن والكرامة، لا رعايا محكوم عليهم بالموت لأنهم قاوموا الانقلاب. إن أي تهديد باستهداف المدنيين أو قتلهم أو معاقبتهم جماعيًا يجب أن يخضع للتحقيق والمساءلة، فالصواريخ لا تصنع شرعية، وإرهاب السكان لا يحوّل الهزيمة السياسية والعسكرية إلى انتصار.

أما الحديث عن الجهل والتخلف والمرض، فليس مجرد وصف لمرحلة تاريخية، بل تحذير من نتائج استمرار الصراع وتدمير مؤسسات الدولة وتعطيل التعليم والخدمات وإفقار المجتمع. فاليمنيون لا يحتاجون إلى مزيد من الحروب والانتقام، بل إلى دولة تحمي حقوقهم، ومدارس تفتح أبوابها لأبنائهم، ومستشفيات تقدم العلاج، ومؤسسات تخضع للقانون، وسلطة تستمد شرعيتها من إرادة المواطنين لا من ادعاء الحق في الوصاية عليهم. ومن يريد لليمن أن ينهض، عليه أن يحرر المجتمع من الخرافة والخوف، لا أن يستدعي أساطير الماضي لتهديد الحاضر.

والأخطر في هذا الخطاب أنه قد يُفهم بوصفه تبريرًا مسبقًا لاستخدام القوة ضد مدينة بسبب موقفها السياسي. وإذا كان المقصود منه التهديد بالعنف أو التحريض على ارتكاب جرائم بحق المدنيين، فإن ذلك يستوجب فحصًا قانونيًا جادًا. فحرية التعبير لا تمنح أحدًا حصانة من المساءلة عن تهديد أو تحريض تتوافر فيه العناصر التي يجرّمها القانون، كما أن شغل منصب إعلامي لا يعفي صاحبه من المسؤولية عن تصريحاته. ولذلك، فإن المطلوب هو توثيق المنشور الأصلي وسياقه وتاريخ نشره، وإحالته إلى الجهات القضائية المختصة للتحقق من مدى انطباق النصوص القانونية النافذة عليه، واتخاذ الإجراءات المناسبة إذا ثبت توافر عناصر جريمة.

كما ينبغي أن تكون الجهات الدولية المعنية بحقوق الإنسان ومجلس الأمن الدولي على اطلاع بمضمون هذا الخطاب، ومطالبتهما بمتابعة أي تهديدات محتملة ضد المدنيين في تعز، والتحقق من دلالاتها وسياقها، والعمل على منع تحول خطاب التهديد إلى اعتداءات فعلية. فحماية المدنيين مسؤولية قانونية وإنسانية، ولا ينبغي أن تتوقف عند حدود الاستنكار الإعلامي، بل يجب أن تقترن بالتوثيق والتحقيق والمساءلة وفقًا للاختصاص والأدلة.

إن استحضار أحداث عام 1948 لا يمنح أحدًا الحق في تكرار مآسيها، ولا يحوّل التهديد إلى سياسة مشروعة. والتاريخ الذي يستدعيه نصر الدين عامر لا ينبغي أن يكون أداة لتخويف اليمنيين، بل درسًا في عواقب الصراع على السلطة وإقصاء المجتمع وإخضاعه بالقوة. أما محاولة استنساخ عقلية الإمامة في عصر التكنولوجيا والمعرفة، فهي دليل على انفصال أصحابها عن واقع اليمنيين وتطلعاتهم إلى الحرية والمواطنة المتساوية.

أفيقوا من أوهامكم؛ فالناس اليوم ليسوا أولئك البسطاء الذين يمكن ترهيبهم بالحزاوي والخرافات وتهديدات السلاطين. نحن في زمن تتدفق فيه المعلومات، وينكشف فيه التضليل، ويملك فيه اليمنيون من الوعي السياسي والوطني ما يجعلهم قادرين على كشف مشاريع الوصاية وتفنيد دعاياتها. ولا يعني ذلك أن الطريق إلى استعادة الدولة سهل، لكنه يعني أن إرادة اليمنيين ليست ملكًا لمن يهددهم، وأن مستقبلهم لا يمكن أن يُرسم بقرارات جماعة مسلحة أو بأوهام العودة إلى الماضي.

نقول لنصر الدين عامر ولكل من يقف خلف هذا الخطاب: أفيقوا من أوهام عام 1948. نحن في عام 2026، والشعب اليمني يمتلك الوعي وإرادة المقاومة والقدرة على الدفاع عن الجمهورية. تعز ليست غنيمة، وأهلها ليسوا رعايا، واليمن ليس ملكًا لجماعة أو سلالة. ومن يراهن على إخضاع تعز بالتهديد، فعليه أن يعيد حساباته قبل أن يرتد عليه منطقه وتنكشف له عواقب هذا التفكير الأعوج.

إن أبناء تعز، ومعهم أحرار اليمن، لا يحتاجون إلى استعراضات لفظية لإثبات تمسكهم بالجمهورية، فقد قدموا التضحيات على الأرض، وواجهوا الحصار والحرب، وما زالوا يتمسكون بحقهم في الحياة والحرية والكرامة. ولن يجعلهم التهديد يتخلون عن حقوقهم، كما لن يحوّل خطاب الانتقام مشروع الإمامة إلى مشروع دولة.

تعز لن تخضع للتهديد، واليمن لن يعود إلى زمن الإمامة. فمن يعجز عن كسب الناس لا يستطيع إخضاعهم بالخرافات، ومن يلوّح بإبادة مدينة لا يصنع نصرًا، بل يفتح على نفسه باب المساءلة. مستقبل اليمن يُبنى بدولة المواطنة والقانون، لا بخرافات الماضي ولا باستدعاء أدوات القمع والانتقام.




شاهد ايضا


كمائن الجيش والمقاومة تستنزف الحوثيين وتربك تحركاتهم في أرياف تعز والم ...

الأحد/25/أكتوبر/2026 - 12:04 ص

أوقعت كمائن نفذتها قوات الجيش والمقاومة عشرات العناصر والقيادات الحوثية في أرياف تعز والمقاطرة وأربكت تحركات ميليشيا الحوثي الإرهابية ودفعتها إلى تشدي


شرطة تعز تضبط خلية حوثية خططت لاستهداف قيادات عسكرية وأمنية ...

السبت/24/أكتوبر/2026 - 11:44 م

أعلنت شرطة محافظة تعز ضبط خلية تعمل لصالح ميليشيا الحوثي الإرهابية تضم متهمين اثنين خططا لتنفيذ أعمال إرهابية تستهدف قيادات عسكرية وأمنية وإثارة الفوض


وزير الإعلام يدين الهجوم الحوثي على ميناء التواهي وخفر السواحل بعدن ...

السبت/24/أكتوبر/2026 - 11:25 م

أدان وزير الإعلام معمر الإرياني هجوماً شنته ميليشيا الحوثي الإرهابية بثلاثة صواريخ باليستية على ميناء التواهي ومقر خفر السواحل في العاصمة المؤقتة عدن