تمهيد
شهدت مدينة المخا، الواقعة على الساحل الغربي لليمن والمطلة على أحد أهم الممرات البحرية العالمية، تحوّلاً لافتًا خلال السنوات الأخيرة مع صعود دور طارق محمد عبد الله صالح و"قوات المقاومة الوطنية". وبعد أن كانت المخا لسنوات طويلة منطقة مهمّشة ومسرحًا لمعارك متناثرة، أصبحت اليوم مركزًا عسكريًا وسياسيًا مؤثرًا ضمن مشهد الحرب اليمنية المعقد. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل أهم التحولات التي شهدتها المدينة في عهد طارق صالح، من خلال ثلاثة محاور: الأمن، الاقتصاد، وإعادة تشكيل السلطة.
---
أولًا: التحولات الأمنية وبناء نموذج سلطة محلية جديدة
منذ تأسيس "حراس الجمهورية" ثم "المقاومة الوطنية"، تعامل طارق صالح مع المخا باعتبارها نقطة ارتكاز استراتيجية لتموضعه العسكري والسياسي. ويمكن رصد ملامح هذا التحول عبر عدة عناصر:
1. مركزية الأمن وسياسة "ضبط المجال"
اعتمدت القوة المسيطرة على نموذج أمني يقوم على:
إنشاء حزام أمني مخصص لإدارة المجال داخل المخا.
السيطرة على الموانئ والطرق الساحلية لضمان منع تسلل تهديدات محتملة.
ترسيخ بنية مؤسسية شبه مستقلة عن الحكومة المعترف بها دوليًا، لكن دون صدام مباشر معها.
هذا النمط يعكس توجّهًا واضحًا نحو "بناء سلطة أمر واقع غير صدامية"، تحافظ على الاستقرار دون الدخول في ديناميات مواجهات سياسية مفتوحة.
2. تراجع مظاهر الانفلات
تشير شهادات ميدانية وتقارير محلية إلى تحسن مستوى الأمن مقارنة بمناطق ساحلية أخرى، ما سمح بعودة النشاط التجاري وارتفاع مستوى الثقة من جانب السكان المحليين والتجار. هذا التحسّن وظّفه طارق صالح لتعزيز شرعيته كفاعل قادر على "تقديم خدمات" في مقابل عجز الحكومة.
---
ثانيًا: الديناميات الاقتصادية ودور ميناء المخا
1. إعادة إحياء ميناء المخا
كان الميناء لسنوات طويلة شبه مغيّب عن الدور الاقتصادي الوطني، لكن وجود قوات طارق صالح أعاد إليه بعض الحيوية:
تطوير جزئي للبنية التحتية.
السماح بدخول بضائع محددة وفق ترتيبات أمنية.
السماح باستثمارات صغيرة ومتوسطة في الخدمات اللوجستية.
ورغم ذلك، ما يزال الميناء بعيدًا عن استعادة مكانته التاريخية كمركز عالمي لتجارة البن.
2. الاقتصاد كأداة سياسية
استخدم طارق صالح النشاط الاقتصادي لتعزيز حضوره السياسي:
خلق مساحات نفوذ عبر منح تراخيص وإدارة تدفقات البضائع.
بناء شبكة علاقات مع رجال أعمال محليين وساحليين.
تقديم نموذج معيشة أفضل نسبيًا مقارنة بمناطق تشهد صراعات متكررة.
لكن هذا النموذج ما يزال محدودًا بسبب:
بقاء ملفات الموانئ تحت حساسية سياسية وإقليمية.
محدودية الاعتراف الرسمي بسلطته في المدينة.
ثالثًا: إعادة تشكيل السلطة المحلية والتموضع السياسي
1. المخا كمركز للنفوذ السياسي في الساحل الغربي
تحوّلت المدينة إلى قاعدة لوجستية وإدارية لإدارة نفوذ طارق صالح في الساحل الغربي. هذا التموضع خدم هدفين رئيسيين:
توفير منطقة محمية لإدارة قواته بمعزل عن التجاذبات داخل "المجلس الرئاسي".
بناء صورة كفاعل مستقل قادر على إدارة منطقة دون فوضى.
2. العلاقة مع الإمارات والتحالف
يشكل الدعم الإماراتي عاملًا محوريًا في صياغة توازن القوة داخل المخا، من حيث:
الدعم العسكري واللوجستي.
التأثير على بنية القرار داخل القوات.
توفير غطاء سياسي، لكن دون منحه تفويضًا مطلقًا.
هذا الدعم منح طارق صالح قدرة على بناء سلطة محلية، لكنه قيده أيضًا بضوابط سياسية مرتبطة بأجندة التحالف.
3. المخا بين "الدولة الغائبة" و"سلطة ما بعد الحرب"
تشكّل المخا نموذجًا مصغّرًا عمّا يمكن أن تبدو عليه مناطق اليمن بعد الحرب:
إدارة أمنية مستقرة نسبيًا.
نشاط اقتصادي محدود لكنه منظم.
سلطة محلية قوية لكنها غير مرتبطة بنظام مؤسسي شامل.
هذه المعادلة تطرح سؤالًا مهمًا:
هل تمهد المخا لنموذج "سلطات المناطق" في اليمن، أم أنها مرحلة انتقالية قبل إعادة دمج السلطة المركزية؟
خاتمة
تُظهر التجربة في المخا خلال عهد طارق صالح أن بناء سلطة مستقرة في اليمن ممكن حتى في ظل الحرب، شرط توفر ثلاثة عناصر: قوة منظمة، بنية أمنية ناجحة، وشريك إقليمي داعم. غير أن هذه التجربة تبقى محكومة بسياقات التوازنات الإقليمية، وبمدى قدرة طارق صالح على الانتقال من دور فاعل عسكري إلى لاعب سياسي كامل داخل بنية الدولة.
في المحصلة، المخا اليوم ليست مجرد مدينة ساحلية؛ إنها مختبر لتجربة سلطة جديدة ستؤثر في مستقبل الساحل الغربي وربما شكل الدولة اليمنية في المرحلة المقبلة.
