مقالات صحفية
قرار إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع دولة الإمارات: قراءة تحليلية في دلالاته الدستورية والاستراتيجية
الثلاثاء - 30 ديسمبر 2025 - الساعة 11:46 ص
يشكّل القرار الصادر عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي والقائد الأعلى للقوات المسلحة بإلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وإلزام قواتها بالانسحاب من الأراضي اليمنية، لحظة مفصلية في مسار الأزمة اليمنية الممتدة منذ عقد. فالقرار، الذي جاء مستنداً إلى النصوص الدستورية وإلى صلاحيات نقل السلطة لعام 2022، لا يمكن عزله عن التحولات الجارية في البيئة الداخلية والإقليمية، ولا عن محاولات الدولة اليمنية إعادة ضبط علاقتها بمحيطها الإقليمي وبناء منظومة سيادية تستعيد من خلالها مركزية القرار العسكري.
أولاً: الإطار الدستوري والقانوني للقرار
جاء القرار متكئاً على جملة من الأسس الدستورية التي تمنح رئيس الجمهورية، بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، صلاحية إدارة الملفات الدفاعية والأمنية واتخاذ ما يراه ضرورياً لحماية وحدة البلاد وسلامة أراضيها. وفي ظل غياب السلطة التشريعية الفاعلة، اكتسبت السلطة التنفيذية هامشًا أوسع في إدارة العلاقات الدفاعية، بما في ذلك إلغاء الاتفاقيات الأمنية التي لم تمر عبر الإجراءات البرلمانية التقليدية.
كما أن قرار نقل السلطة الصادر في أبريل 2022 منح مجلس القيادة الرئاسي ورئيسه تفويضاً واسعاً في إدارة السياسة العليا للدولة واتخاذ القرارات السيادية في حالات الخطر، وهو ما يضع هذا الإجراء ضمن حدود الصلاحيات القانونية، ويمنحه مشروعية مضاعفة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
ثانياً: الدلالات السياسية للقرار
لا يمكن النظر إلى قرار الإلغاء باعتباره خطوة إجرائية فحسب، بل هو مؤشر على إعادة رسم خارطة النفوذ داخل اليمن. فمنذ 2015 لعبت الإمارات دوراً واسعاً في تشكيلات عسكرية محلية، والسيطرة على موانئ ومواقع استراتيجية، وصناعة مراكز نفوذ موازية لمؤسسات الدولة. هذا الدور كان أحد أهم العوامل التي أنتجت ازدواجية القرار العسكري، ورسّخت هشاشة الهيكلة الأمنية.
وبهذا المعنى، يعبّر القرار عن رغبة رسمية في استعادة مركزية الدولة، وإنهاء تعدد الفواعل المسلّحة، والانتقال من مرحلة “إدارة النفوذ” إلى مرحلة “استعادة السيادة”. كما يعكس تحوّلاً في أولويات الشراكات الإقليمية، وتحديداً في العلاقة بين الرياض وأبوظبي داخل اليمن، حيث يظهر القرار متناغماً مع توجه سعودي نحو توحيد الجبهة الداخلية وتقليص اللاعبين المتعددين في الساحة.
ثالثاً: الأهمية الاستراتيجية لاستعادة السيطرة
يتداخل القرار مع البنية الاستراتيجية للأزمة اليمنية في ثلاثة مستويات رئيسة:
1. حضرموت والمهرة كمنطقة إعادة التوازن
توجيه قوات درع الوطن لاستلام المعسكرات في حضرموت والمهرة يحمل دلالة واضحة بأن الدولة تسعى لتأمين المناطق الحدودية الشرقية التي شهدت خلال السنوات الماضية تشكل شبكات نفوذ وازدواج في مراكز القرار الأمني. وتمثل المنطقتان محوراً استراتيجياً للحفاظ على استقرار البلاد وضبط حركة الحدود والموانئ.
2. ضبط المنافذ والسيطرة على الموارد
أحد التحديات الأساسية التي واجهت اليمن خلال الحرب كان ضعف قبضة الدولة على المنافذ البرية والبحرية، ما سمح بتوسع الأدوار الخارجية وتنامي نفوذ التشكيلات المسلحة. القرار الرئاسي يشكّل فرصة لإعادة فرض سلطة موحدة على الموانئ والمنافذ الاستراتيجية، وهو ما يعزّز القدرات السيادية للدولة ويحدّ من تعدد شبكات النفوذ.
3. توحيد القيادة العسكرية
يُعد تعدد التشكيلات المسلحة أحد أهم أسباب إطالة الحرب، ومن ثم فإن القرار يمثل محاولة لوضع حدّ للثنائيات العسكرية، والانتقال نحو قيادة عسكرية واحدة تحت مظلة وزارة الدفاع. هذا المسار يشكل خطوة أولى نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية، بعيداً عن الارتباطات الإقليمية المتباينة.
رابعاً: التحديات المحتملة أمام التنفيذ
رغم أهمية القرار ودلالاته السيادية، إلا أن تنفيذه على الأرض قد يواجه عدة صعوبات، أبرزها:
ضرورة وجود تفاهمات سعودية–إماراتية تضمن خروجاً منظماً للقوات وتجنب الاحتكاكات.
إمكانية مقاومة بعض التشكيلات المحلية المرتبطة بالإمارات.
احتمالية حدوث فراغ أمني إن لم تُدار عملية الانتقال بعناية، ما قد يمنح الحوثيين أو جماعات مسلحة أخرى مساحة للمناورة.
المدة الزمنية (24 ساعة) تبدو رمزية أكثر منها تنفيذية، وتهدف في الأساس إلى تثبيت موقف سياسي واضح، وليس لعكس خطة انسحاب فورية.
خامساً: الخلاصة
يمثل القرار خطوة سيادية متقدمة في مسار استعادة الدولة اليمنية لقرارها السياسي والعسكري، وإعادة تعريف علاقتها بالقوى الإقليمية. وهو قرار يتأسس على أرضية دستورية وقانونية صلبة، ويحمل في طياته رغبة في إعادة بناء المؤسسات الوطنية وتوحيد القيادة العسكرية، بما يمهّد لإعادة توازن المنظومة الأمنية.
ومع أن الطريق نحو تنفيذ القرار مليء بالتحديات، إلا أنه يكشف عن لحظة سياسية جديدة تتجه فيها الدولة اليمنية نحو استعادة مركزيتها وبناء فضاء سيادي مستقل، وهو ما يشكل شرطاً ضرورياً لأي مسار مستقبلي يعيد إنتاج الدولة الوطنية القادرة على فرض سلطتها، وحماية وحدتها، وإعادة تشكيل علاقتها بمحيطها الإقليمي على أسس متوازن