مقالات صحفية


إشكالية إعادة إنتاج النخب في التشكيل الحكومي اليمني: قراءة سياسية تحليلية

الأربعاء - 04 فبراير 2026 - الساعة 03:31 م

د. عبدالقادر لطف الخلي
الكاتب: د. عبدالقادر لطف الخلي - ارشيف الكاتب



 تمهيد
 
تداولت وسائل الإعلام اليمنية خلال الأيام الماضية تسريبات تفيد باحتمال تعيين هاشم الأحمر وزيرًا للدفاع، والإبقاء على معمر الإرياني وزيرًا للإعلام، مع احتفاظ شائع الزنداني بحقيبة الخارجية إلى جانب منصب رئاسة الوزراء. وقد نقل هذه المعطيات الإعلامي عبدالله الدوبلة عبر قناة يمن شباب، ما أثار موجة واسعة من الجدل والاستياء في الأوساط الشعبية والنخبوية، وأعاد إلى الواجهة إشكالية مزمنة في الحياة السياسية اليمنية، تتمثل في إعادة إنتاج النخب ذاتها، رغم إخفاقاتها المتراكمة.
 
تأتي هذه التطورات في لحظة تاريخية حرجة، تمر فيها الدولة اليمنية بأعمق أزماتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، الأمر الذي كان يستدعي تشكيل حكومة إنقاذ وطني قائمة على معايير الكفاءة والمهنية والاستقلال، وقادرة على إحداث قطيعة حقيقية مع أنماط الفشل السابقة.
 
 أولًا: السياق السياسي وأزمة التوقعات الشعبية
 
منذ اندلاع الحرب، تعيش اليمن حالة من الانهيار الشامل في بنية الدولة ومؤسساتها، ترافقها أزمة ثقة حادة بين المجتمع والسلطة السياسية. وقد تراكم لدى اليمنيين شعور عميق بالإحباط نتيجة تعاقب الحكومات دون أن يلمسوا تحسنًا ملموسًا في الأوضاع المعيشية أو الأمنية أو السياسية.
 
وفي هذا السياق، مثّل الإعلان المرتقب عن تشكيل حكومة جديدة فرصة لإعادة بناء الثقة، وفتح أفق سياسي جديد قائم على الكفاءة والإصلاح المؤسسي. غير أن التسريبات المتداولة بدت وكأنها تعيد إنتاج المنظومة ذاتها، بما تحمله من اختلالات بنيوية، الأمر الذي عمّق فجوة التوقعات، وأعاد ترسيخ قناعة عامة مفادها أن عملية التغيير ما تزال شكلية أكثر منها جوهرية.
 
ثانيًا: وزارة الدفاع وإشكالية القيادة في زمن الحرب
 
يُعد منصب وزير الدفاع من أكثر المناصب حساسية في السياق اليمني، نظرًا لطبيعة المرحلة التي تتسم بحرب مفتوحة، وانقسام عسكري، وتحديات أمنية مركبة. ومن ثم، فإن شغل هذا المنصب ينبغي أن يخضع لمعايير دقيقة تشمل الكفاءة المهنية، والخبرة الاستراتيجية، والاستقلال عن شبكات النفوذ التقليدية.
 
إن تداول اسم هاشم الأحمر لهذا الموقع يثير نقاشًا واسعًا حول استمرار منطق التوريث السياسي وإعادة إنتاج النخب التقليدية، بدلًا من الدفع بقيادات عسكرية وطنية مهنية تمتلك سجلًا ميدانيًا وقدرة حقيقية على إدارة المعركة العسكرية ضمن رؤية وطنية شاملة. فالإشكال هنا لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يتعلق بالمنهج الذي يُدار به ملف التعيينات، حيث تغيب معايير الدولة الحديثة لصالح اعتبارات الولاء والتوازنات السياسية.
 
 ثالثًا: وزارة الإعلام ومعركة الوعي
 
في ظل الحرب الشاملة التي يفرضها المشروع الحوثي، تشكل الجبهة الإعلامية إحدى أهم ساحات الصراع، لما لها من دور مركزي في صناعة الوعي، وتشكيل الرأي العام، وبناء السردية الوطنية في مواجهة الدعاية المضادة. غير أن الأداء الإعلامي الرسمي خلال السنوات الماضية اتسم بالضعف والتشتت وغياب الرؤية الاستراتيجية، ما انعكس سلبًا على صورة الشرعية في الداخل والخارج.
 
ومن هذا المنطلق، فإن الإبقاء على معمر الإرياني في منصب وزير الإعلام يطرح تساؤلات جادة حول آليات التقييم والمساءلة داخل الحكومة، ومدى وجود إرادة سياسية حقيقية لتطوير الخطاب الإعلامي، وتحويله إلى أداة فاعلة في معركة الوعي الوطني.
 
 رابعًا: وزارة الخارجية بين التمثيل الدبلوماسي وتضارب الأدوار
 
يُعد الجمع بين حقيبة الخارجية ومنصب رئاسة الوزراء إشكالية بنيوية، لما ينطوي عليه من تضارب في الصلاحيات وتشتت في الأولويات، خصوصًا في مرحلة تحتاج إلى تركيز عالٍ في إدارة الملفات السياسية والدبلوماسية المعقدة.
 
وتعاني الدبلوماسية اليمنية أصلًا من تراجع ملحوظ في الحضور الدولي والتأثير السياسي، الأمر الذي يستدعي قيادة دبلوماسية متفرغة تمتلك رؤية استراتيجية واضحة، وقادرة على إعادة تموضع اليمن ضمن خارطة التفاعلات الإقليمية والدولية.
 
 خامسًا: إعادة إنتاج الفشل وأزمة المنهج السياسي
 
إن ما تعكسه هذه التسريبات لا يشير إلى تحول نوعي في بنية القرار السياسي، بقدر ما يؤكد استمرار النهج التقليدي القائم على تدوير النخب ذاتها، في صورة تختزلها المقولة الشعبية: *�ديمة وخلفنا بابها�*. وهو نهج يؤدي إلى تكريس الجمود السياسي، وتعميق حالة الانسداد، وإدامة الأزمة بدلًا من معالجتها.
 
لقد فقد الشارع اليمني بوصلته السياسية نتيجة تراكم الإخفاقات، وغياب المشروع الوطني الجامع، وهيمنة الحسابات الفئوية على القرار السيادي. ومن ثم، فإن أي حكومة لا تنطلق من تشخيص علمي دقيق للأزمة، ولا تتبنى برنامجًا إصلاحيًا شاملًا، ستظل مجرد أداة لإدارة الفشل لا تجاوزه.
 
## خاتمة
 
إن الحاجة الملحّة اليوم ليست إلى تغيير شكلي في الأسماء والمواقع، بل إلى تحول جذري في منطق الحكم وإدارة الدولة. فحكومة الإنقاذ الحقيقية هي تلك التي تُبنى على أسس الكفاءة والنزاهة والاستقلال، وتتبنى مشروعًا وطنيًا واضحًا لاستعادة الدولة، وإعادة بناء المؤسسات، وخوض معركة الوعي جنبًا إلى جنب مع المعركة العسكرية.
 
وما لم يتحقق هذا التحول، سيظل اليمنيون يدورون في الحلقة ذاتها، بين أمل مؤجل وخيبة متجددة، فيما تستمر البلاد في النزيف السياسي والاقتصادي والاجتماعي، دون أفق قريب للخلاص.




شاهد ايضا


الخنبشي يطّلع على جاهزية التوقيع لثلاثة مشاريع استراتيجية للطرق بحضرمو ...

الأحد/01/نوفمبر/2026 - 11:15 ص

اطّلع عضو مجلس القيادة الرئاسي محافظ حضرموت، سالم أحمد الخنبشي، اليوم، على جاهزية التوقيع لثلاثة مشاريع حيوية واستراتيجية لشبكة الطرق بالمحافظة، والمق


أسطول الظل الروسي يتحصن بالأقفاص.. والسبب مسيرات كييف ...

الأحد/01/نوفمبر/2026 - 10:49 ص

بدأ "أسطول الظل" الروسي من ناقلات النفط بتدعيم سفنه بالشباك والأقفاص المعدنية ووسائل حماية أخرى لمواجهة موجة من الهجمات بالطائرات المسيّرة الأوكرانية


الأمم المتحدة تطالب بتحقيق عاجل ومستقل في وفاة موظفها المحتجز لدى الحو ...

الأحد/01/نوفمبر/2026 - 10:43 ص

أعلن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، وفاة محمد الشامي، الموظف اليمني في مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أثناء احتجازه لدى مليشي