مقالات صحفية
الخليج بين الشراكة والتهديد: قراءة في السلوك الإيراني وتحولات الاستراتيجية الإقليمية
الخميس - 19 مارس 2026 - الساعة 06:45 ص
شهدت العلاقات بين إيران ودول الخليج العربي، خلال العقدين الأخيرين، نمطًا معقدًا يجمع بين التشابك الاقتصادي والانفتاح السياسي من جهة، والتوترات الأمنية العميقة من جهة أخرى. فبعد فرض العقوبات القصوى على طهران خلال إدارة دونالد ترامب الأولي، حيث برزت بعض دول الخليج كقنوات حيوية ساهمت—بدرجات متفاوتة—في تخفيف العزلة الاقتصادية والسياسية عن إيران، سواء عبر التبادل التجاري، أو الوساطة الدبلوماسية، أو تسهيل الانخراط الإقليمي.
في هذا السياق، تحولت الإمارات العربية المتحدة إلى أحد أبرز الشرايين الاقتصادية لإيران، حيث شكّلت منصة مالية وتجارية نشطة أسهمت في استمرار تدفق السلع ورؤوس الأموال، في ظل القيود الغربية المشددة. وعلى المستوى السياسي، لعبت قطر دورًا لافتًا كقناة تواصل وانفتاح، مستفيدة من موقعها الوسطي وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، خصوصًا منذ التحولات التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين. أما سلطنة عُمان، فقد كرّست موقعها كوسيط موثوق في الملفات الحساسة، وعلى رأسها المفاوضات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، مستفيدة من تقاليدها الدبلوماسية القائمة على الحياد والانخراط الهادئ.
غير أن هذا النمط من التفاعل—الذي جمع بين التهدئة والتعاون—يبدو اليوم أمام اختبار حقيقي في ظل التصعيد العسكري المتسارع. إذ تشير التطورات الأخيرة إلى أن إيران، وتحت ضغط المواجهة مع الولايات المتحدة وشركائها، بدأت تنقل الصراع إلى محيطها الإقليمي، مستهدفة البنية التحتية الحيوية في دول الخليج، بما في ذلك منشآت النفط والغاز، ومحطات تحلية المياه، ومرافق الطاقة.
من منظور تحليلي، لا يمكن تفسير هذه الهجمات بوصفها مجرد ردود فعل آنية أو اندفاعات غير محسوبة، بل تعكس تحولًا في العقيدة الاستراتيجية الإيرانية نحو ما يمكن تسميته بـ"توسيع مسرح العمليات" و"تعميم كلفة الصراع". فطهران، التي تواجه ضغوطًا عسكرية واقتصادية متزايدة، تسعى إلى إعادة توزيع الضغط عبر استهداف نقاط الضعف الهيكلية في خصومها، وفي مقدمتها الاعتماد الكبير لدول الخليج على استقرار البنية التحتية للطاقة والمياه.
ومع ذلك، فإن توصيف هذه الاستراتيجية على أنها "خطة لتدمير الخليج العربي" يتطلب قدرًا من الحذر التحليلي. فالمعطيات المتوفرة تشير إلى أن الهدف الإيراني لا يتمثل بالضرورة في تدمير شامل للمنطقة—وهو سيناريو مكلف وغير قابل للاستدامة—بل في رفع كلفة الحرب على خصومها إلى مستويات تدفعهم نحو إعادة حساباتهم الاستراتيجية. بمعنى آخر، تسعى إيران إلى فرض معادلة ردع جديدة تقوم على مبدأ: "إذا تعرضت لضغط وجودي، فإن بيئة خصومها لن تبقى بمنأى عن الاضطراب".
هذا السلوك ينسجم مع أنماط الحروب غير المتكافئة، حيث تلجأ الأطراف الأضعف نسبيًا إلى أدوات غير تقليدية لتعويض فجوة القوة، مثل استهداف البنية التحتية الحساسة، وتهديد خطوط الإمداد، واستخدام الجغرافيا الاستراتيجية—خصوصًا الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز—كأوراق ضغط ذات تأثير عالمي.
في المقابل، تجد دول الخليج نفسها أمام معضلة مركبة: فهي من جهة حريصة على تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة قد تهدد استقرارها الاقتصادي، ومن جهة أخرى مضطرة لتعزيز قدراتها الدفاعية والتنسيق مع حلفائها لاحتواء التهديدات المتصاعدة. وهذا ما يفسر تبنيها لاستراتيجية "الاحتواء الحذر"، التي تجمع بين الرد الدفاعي وتجنب التصعيد المفتوح.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن المنطقة تشهد انتقالًا من مرحلة "إدارة التوتر" إلى مرحلة "إدارة الصراع"، حيث لم يعد الهدف هو خفض التصعيد فحسب، بل منع انزلاقه إلى مستويات يصعب السيطرة عليها. وفي هذا السياق، تبقى الأدوار التي تلعبها بعض الدول—كوسيط أو قناة تواصل—عنصرًا حاسمًا في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار.
الخاتمة
إن السلوك الإيراني في استهداف البنية التحتية الخليجية لا يعكس بالضرورة رغبة في تدمير المنطقة بقدر ما يعكس محاولة لإعادة تشكيل معادلات الردع تحت ضغط الحرب؛ غير أن خطورة هذه المقاربة تكمن في أنها تفتح المجال أمام تصعيد غير محسوب، قد يحوّل الخليج من فضاء للتشابك الاقتصادي إلى ساحة مواجهة مفتوحة، بما يحمله ذلك من تداعيات تتجاوز الإقليم إلى النظام الدولي بأسره.