مقالات صحفية
من باب المندب إلى هرمز: عندما تتحول الممرات البحرية إلى رهينة للصراع الإقليمي
السبت - 25 يوليو 2026 - الساعة 08:48 م
لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي يربط بين الشرق والغرب فقط، وتحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أكثر الساحات حساسية في الصراع الجيوسياسي العالمي. ومع التصعيد الأخير في اليمن، والتهديدات المتبادلة التي طالت الملاحة الدولية والمنشآت الحيوية، باتت المنطقة تقف أمام اختبار جديد قد تتجاوز تداعياته حدود اليمن والخليج لتطال الاقتصاد العالمي بأسره.
وفي ظل التداخل المتزايد بين أزمات البحر الأحمر ومضيق هرمز، تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة جديدة من "لعبة عض الأصابع"، حيث يسعى كل طرف إلى رفع كلفة المواجهة على خصومه دون الانزلاق – نظريًا – إلى حرب شاملة، غير أن التاريخ يؤكد أن أخطر الحروب غالبًا ما تبدأ من حسابات خاطئة وتقديرات غير دقيقة.
باب المندب وهرمز في معادلة النفوذ الإقليمي
لطالما شكل مضيقا باب المندب وهرمز ركيزتين أساسيتين في منظومة التجارة والطاقة العالمية. فبينما يمثل هرمز البوابة الرئيسية لصادرات النفط الخليجية، يشكل باب المندب حلقة الوصل الحيوية بين المحيط الهندي والبحر المتوسط عبر قناة السويس.
ومع تصاعد التوترات الإقليمية، تحولت الممرات المائيةإلى أدوات ضغط استراتيجية تستخدمها القوى المتصارعة لإرسال الرسائل السياسية والعسكرية. فكل تهديد للملاحة في باب المندب ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة والتأمين البحري وسلاسل الإمداد العالمية، تمامًا كما يحدث عند أي تهديد لمضيق هرمز.
ومن هنا يمكن فهم التصعيد الأخير باعتباره جزءًا من معادلة إقليمية أوسع تتداخل فيها حسابات الأمن البحري مع صراعات النفوذ الإقليمي والدولي.
التصعيد الحوثي: بين الرسائل السياسية ومعادلات الردع
إعلان الحوثيين فرض حصار بحري على المملكة العربية السعودية مثّل تحولًا لافتًا في خطاب الجماعة وسلوكها العسكري. فالأمر لم يقتصر على إطلاق تهديدات إعلامية فقط، وجاء أيضاً ضمن سياق ميداني شهد استهدافات متبادلة وتصاعدًا في مستوى الخطاب السياسي والعسكري.
من منظور استراتيجي، يمكن قراءة هذا التصعيد باعتباره محاولة لفرض معادلة ردع جديدة تقوم على نقل كلفة الصراع إلى المجال البحري والاقتصادي، بدلًا من بقائه محصورًا داخل الجغرافيا اليمنية. فكلما ارتفعت كلفة التأمين البحري واضطربت حركة التجارة والطاقة، ازدادت قدرة الجماعة على جذب الانتباه الدولي وفرض نفسها طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية.
كما أن التوقيت يحمل دلالات مهمة، إذ يأتي في ظل بيئة إقليمية مضطربة تشهد استمرار المواجهات غير المباشرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى، وهو ما يجعل البحر الأحمر إحدى ساحات تبادل الرسائل السياسية والعسكرية بين الأطراف المتنافسة.
الشرعية والتحالف: استراتيجية منع فرض الوقائع بالقوة
في المقابل، تنظر الحكومة اليمنية والتحالف العربي إلى هذه التحركات باعتبارها تهديدًا يتجاوز الأمن اليمني ليطال الأمن الإقليمي والدولي. ولذلك جاء الرد العسكري مركزًا على استهداف القدرات العسكرية النوعية ومخازن الأسلحة ومنصات الإطلاق، في محاولة لمنع ترسيخ واقع جديد يقوم على استخدام الممرات البحرية كورقة ضغط سياسية.
ويبدو أن الحسابات السعودية تحديدًا تقوم على موازنة دقيقة بين ضرورة الردع والحفاظ على الاستقرار الإقليمي. فالمملكة تدرك أن تجاهل التهديدات قد يشجع على مزيد من التصعيد، لكنها تدرك أيضًا أن الانزلاق إلى مواجهة واسعة قد يحمل كلفة سياسية واقتصادية وأمنية مرتفعة على المنطقة بأكملها.
لذلك يمكن وصف الاستراتيجية الحالية بأنها "ردع مضبوط"، يهدف إلى احتواء التهديدات ومنع توسعها دون الوصول إلى حرب مفتوحة.
الاقتصاد العالمي: الضحية الصامتة للصراع
تكمن خطورة الأزمة في أن آثارها لا تتوقف عند حدود الأطراف المتصارعة. فالبحر الأحمر وباب المندب يمثلان شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية، وأي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة ينعكس مباشرة على الاقتصاد الدولي.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن مجرد ارتفاع المخاطر الأمنية في البحر الأحمر يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها نحو طريق رأس الرجاء الصالح، ما يعني زيادة كبيرة في زمن الرحلات وكلفة النقل والتأمين. كما أن أي تهديد جدي للممرات البحرية يرفع منسوب القلق في أسواق الطاقة، ويدفع أسعار النفط نحو مستويات أعلى، الأمر الذي ينعكس على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي في مختلف دول العالم.
وبهذا المعنى، فإن الأزمة لم تعد أزمة يمنية أو حتى إقليمية، بل أصبحت قضية ترتبط مباشرة بأمن الاقتصاد العالمي واستقرار الأسواق الدولية.
هل أصبح باب المندب جزءًا من معادلة الردع الإقليمية؟
السؤال الأهم اليوم ليس ما إذا كانت الهجمات ستتواصل،وإنما ما إذا كانت الممرات البحرية الدولية أصبحت جزءًا من معادلة الردع الإقليمية الجديدة.
المؤشرات الحالية توحي بأن باب المندب تحول إلى ورقة استراتيجية تستخدمها الأطراف المختلفة لرفع كلفة الصراع على خصومها. وهذه المعادلة، إذا ترسخت، قد تجعل أي أزمة محلية قابلة للتحول سريعًا إلى أزمة إقليمية أو دولية، خصوصًا في ظل الترابط الوثيق بين أمن البحر الأحمر وأمن الخليج العربي.
إن خطورة هذا التحول تكمن في أنه ينقل المنافسة من حدود الدول إلى شرايين الاقتصاد العالمي نفسها، وهو ما يضاعف حجم المخاطر ويجعل أي خطأ في الحسابات أكثر كلفة من أي وقت مضى.
السيناريوهات المحتملة
أولًا: الاحتواء والردع المتبادل (الأكثر ترجيحًا)
يستمر تبادل الضربات والرسائل العسكرية ضمن سقف محسوب، مع حرص الأطراف على تجنب المواجهة الشاملة. ويؤدي ذلك إلى استمرار حالة التوتر وعدم اليقين دون انهيار كامل للملاحة أو الأسواق.
ثانيًا: التصعيد الواسع
قد يؤدي هجوم كبير أو خطأ في التقدير إلى توسيع نطاق المواجهة، بما يشمل عمليات عسكرية أكبر وتدخلات إقليمية ودولية أكثر مباشرة، وهو السيناريو الأخطر على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.
ثالثًا: التهدئة المشروطة
تنجح الضغوط الدبلوماسية والوساطات الدولية في خفض التصعيد وإعادة الأطراف إلى مسار تفاوضي، مع ترتيبات أمنية تضمن سلامة الملاحة البحرية وتحد من احتمالات المواجهة.
ومن هنا يمكن القول إن ما يجري اليوم في البحر الأحمر يتجاوز كونه جولة جديدة من الصراع اليمني، ليعكس تحولًا أعمق في طبيعة التنافس الجيوسياسي في المنطقة. فالممرات البحرية التي كانت لعقود شرايين للتجارة والطاقة العالمية أصبحت تدريجيًا جزءًا من معادلات الردع والضغط السياسي والعسكري، الأمر الذي يرفع من حساسية أي مواجهة ويضاعف من كلفتها الإقليمية والدولية.
وبين باب المندب وهرمز تتشكل معادلة جديدة عنوانها أن أمن التجارة والطاقة لم يعد منفصلًا عن الصراعات الإقليمية، وأن أي اضطراب في أحد هذين الممرين الحيويين لم يعد يقتصر أثره على الدول المطلة عليهما، بل يمتد إلى الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد الدولية. وفي ظل هذا الواقع، تبدو المنطقة أمام مفترق طرق حقيقي: إما إدارة التنافس ضمن حدود الردع المتبادل والحسابات العقلانية، أو الانزلاق نحو دوامة تصعيد قد تبدأ بأزمة محلية لكنها لن تتوقف عند حدودها الجغرافية. فالتاريخ يثبت أن الأزمات الكبرى لا تنفجر دائمًا بسبب الرغبة في الحرب، بل كثيرًا ما تكون نتيجة أخطاء في الحسابات وسوء تقدير لمستوى المخاطر والقدرة على السيطرة عليها.