تتسع معركة تجفيف منابع تمويل ميليشيا الحوثي الإرهابية بقرار النائب العام إدراج أفراد وكيانات وسفن في قوائم الإرهاب وتوجيه البنك المركزي بتجميد أموالهم وحظر التعامل معهم وهي إجراءات يناقش أبعادها خبراء ومحللون اقتصاديون وسياسيون ومسؤولون حكوميون في أحاديث وتحليلات جاءت عقب موافقة مجلس الوزراء على مشروع قانون لتصنيف الميليشيا منظمة إرهابية وتجريم أنشطتها وتمويلها.
وبموجب تعميمه الصادر في 20 أكتوبر ألزم البنك المركزي اليمني في عدن البنوك وشركات ومنشآت الصرافة بحجز وتجميد الحسابات والأموال والأصول الخاصة بـ135 من الأفراد والكيانات والسفن البحرية الواردة في قرار النائب العام رقم 17 لعام 2026 المؤرخ في 19 أكتوبر مع حظر التعاملات المالية والتجارية معهم ومنع فتح حسابات جديدة لهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ووضع التعميم المؤسسات المصرفية أمام التزام برصد الأرصدة والأصول والحوالات المرتبطة بالمشمولين وحصر بياناتها ورفعها إلى وحدة جمع المعلومات المالية وإدارة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب مع إفادة البنك بما يثبت التنفيذ خلال يومي عمل من صدوره.
ويستند مسار التصنيف الوطني إلى قرار مجلس الدفاع الوطني رقم 1 الصادر في 22 أكتوبر 2022 بتصنيف ميليشيا الحوثي منظمة إرهابية وأعقبته موافقة مجلس الوزراء في 14 نوفمبر من العام نفسه على الحزمة الأولى من الإجراءات القانونية والاقتصادية لتنفيذه بما شمل إعداد قوائم القيادات والكيانات الممولة وتتبع الشبكات المتعاملة معها خارج اليمن.
وعربياً اعتمدت الأمانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب في مارس 2022 إدراج الحوثيين ضمن قائمة الكيانات الإرهابية على القائمة السوداء العربية لمنفذي ومدبري وممولي الأعمال الإرهابية على خلفية انتهاكاتهم بحق اليمنيين وهجماتهم على المدنيين والبنية التحتية في السعودية والإمارات.
النفط في قلب التمويل
تكمن أهمية القائمة في مواقع أصحابها داخل منظومة التمويل أكثر من عدد المشمولين بها وفق قراءة الدكتور فارس النجار مستشار مكتب رئاسة الجمهورية للشؤون الاقتصادية الذي يربط في حديثه بين استهداف المسؤولين الماليين والمصرفيين وشبكات توريد المشتقات النفطية وبين القدرة على تعطيل الموارد التي تغذي المجهود الحربي للميليشيا.
وتشمل القائمة مسؤولين عن إدارة الموارد والتحويلات ومؤسسات مالية وإيرادية إلى جانب شركة �سيل الزورق� وخمس ناقلات نفطية وهي حلقات يراها النجار مترابطة في نقل الأموال وتسوية المدفوعات وتوفير الغطاء التجاري لأنشطة التمويل.
وتكشف بيانات الخزانة الأمريكية جانباً من حجم هذه التجارة إذ قدرت في يناير 2026 عائدات الميليشيا من تجارة النفط غير المشروعة بأكثر من ملياري دولار سنوياً وأفادت بأن إيران تقدم لها شحنة نفط مجانية شهرياً إلى جانب مبيعات تمر عبر شركات إيرانية وأخرى مرتبطة بها في دبي.
وفي تقديريضعالنجار قيمة الدعم النفطي العيني الإيراني للميليشيا عند نحو 700 مليون دولار سنوياً ويربط وصوله بعمليات تهريب ومعاملات تظهر في صورة استيراد تجاري بينما تؤدي دوراً في تمويل الحوثيين.
وتتضح الصلة بين النفط والتسليح في عقوبات أمريكية سابقة استهدفت شركة �بلاك دايموند� التي اتهمتها الخزانة بتهريب النفط الإيراني لمصلحة الميليشيا وشركة �رويال بلس� التي اتهمتها بتسهيل مدفوعات لشراء أسلحة ومكونات عسكرية بينها محركات طائرات مسيرة.
أما الموارد الداخلية فتضم الضرائب والجمارك والجبايات وعائدات الاتصالات والوقود ويقدر النجار أن أكثر من نصف موارد الميليشيا التي يضعها عند ما يزيد على أربعة مليارات ونصف المليار دولار يأتي من الداخل بما يمنح السيطرة على المؤسسات الإيرادية وزناً كبيراً في استمرار تمويلها.
ويمتد استنزاف الاقتصاد المحلي في تقييمه إلى وضع اليد على شركات واتصالات وبنوك وجامعات ومؤسسات خاصة عبر الحارس القضائي مع تسخير الإيرادات العامة للمجهود الحربي وتراجع الإنفاق على الخدمات وهي عوامل ساعدت الميليشيا على مراكمة الأموال والأصول.
ويقدر النجار قيمة ما تراكم من أصول وأموال سائلة وشركات وشبكات مالية خلال أكثر من 11 عاماً بما قد يصل إلى 80 مليار دولار ويطرح هذا الرقم بوصفه تقديراً لتراكم الثروة التي أصبحت تحت تصرف الميليشيا عبر سنوات الانقلاب.
وتفسر هذه المصالح المالية الدلالة التي يراها المحلل السياسي رماج الجبري في توسيع المساءلة إلى المسؤولين عن إدارة الإيرادات وتمويل العمليات العسكرية واصفاً الخطوة بأنها تأخرت كثيراً ومعتبراً ملاحقة ممولي الحرب مساراً مكملاً للمواجهة العسكرية والأمنية.
اختبار التنفيذ والرقابة
يقترح الباحث والخبير الاقتصادي وحيد الفودعي قياس أثر القرار بقيمة الأصول المجمدة وصلات المشمولين بمراكز اتخاذ القرار المالي وقدرة المؤسسات على اكتشاف حساباتهم وتحويلاتهم ومدى التعاون الخارجي ويرى أن نجاحه �يقاس بقدرته على تعطيل تدفقات مالية فعلية�.
ويربط الفودعي انعكاس التجميد على السيولة المتاحة للميليشيا بمدى تعطيل مصادر إيراداتها وشبكات الوسطاء والقنوات غير الرسمية فاستمرار هذه المسارات في العمل يمنحها منافذ أخرى للتمويل ويحد من الأثر الذي يمكن أن يحققه تجميد حسابات وأصول محددة.
وتواجه هذه المهمة ضعفاً رقابياً في تقييم الخبير الاقتصادي ورئيس قسم العلوم المالية والمصرفية بجامعة حضرموت محمد الكسادي الذي يستشهد بإغلاق محلات صرافة ثم إعادة افتتاحها ويربط فاعلية القرار بمتابعة الالتزام وتطبيق إجراءات عقابية مستمرة بحق المخالفين.
ويضع الكسادي البنك المركزي أمام مسؤولية فرض تعليماته على المؤسسات الخاضعة له بقوله إن �المسؤولية على عاتق البنك المركزي أكبر حتى من المسؤولية على المؤسسات� معتبراً أن قوة الرقابة والشفافية والقدرة على المحاسبة تحدد مستوى استجابة البنوك والصرافين.
ويفصل النجار بين �الاختصاص القانوني والقدرة التنفيذية� فالبنك المركزي يمتلك أدوات ملزمة للمؤسسات الخاضعة لإشرافه بينما يفرض الانقسام المصرفي قيوداً على الوصول إلى الأصول داخل مناطق سيطرة الحوثيين وتزداد الصعوبة مع انتقال الأموال خارج البنوك الرسمية إلى محلات الصرافة والتجار والأنشطة المرتبطة بالميليشيا.
وتحضر آثار الانقسام في تجربة شخصية يرويها الكسادي عن حوالة تلقاها من الخارج مرت عبر صنعاء وخضعت لسعر الصرف المعمول به هناك وهي واقعة يستدل بها على الفجوة بين سلطة البنك المركزي في عدن وحركة التحويلات على الأرض.
ومن واقع هذه الثغرات يركز الكسادي على التحقق من هويات المحولين والمستفيدين وتعزيز التعاون مع شركات التحويل الدولية وربط تنفيذ القرار ببيانات موثوقة تمكن من تحديد الأطراف الفعلية للمعاملات وملاحقة استخدام الأسماء الوهمية.
ويضيف الفودعي أن تفاوت قواعد بيانات العملاء وإجراءات الامتثال بين المؤسسات يزيد تعقيد الملاحقة ويقترح تعزيز تبادل المعلومات بين البنك المركزي ووحدة جمع المعلومات المالية وتحديث قوائم المستهدفين باستمرار ورصد الأنماط غير الاعتيادية للتحويلات.
وتكتسب العلاقات المصرفية الخارجية أهمية في هذا الاختبار إذ أشار صندوق النقد الدولي في تقرير نشر في أبريل 2026 إلى انتقال مقار بنوك رئيسية إلى عدن لحماية علاقاتها مع البنوك المراسلة بما يوضح أثر الضغوط المرتبطة بالعقوبات في قرارات القطاع المصرفي.
ملاحقة عابرة للحدود
يمتد الأثر المتوقع للقرار إلى قدرة الشبكات المدرجة على إتمام الصفقات وتسوية المدفوعات والحصول على خدمات الشحن والتأمين والتمويل وفق النجار الذي يرى أن تعطيل هذه العمليات يرفع كلفة حركة الأموال ويضيق المسارات التي تستخدمها الميليشيا في إعادة تدوير عائداتها عبر التجارة.
ويشرح النجار أن إخراج الأموال ثم إعادتها في صورة بضائع أو استثمارات يمثل جانباً من نشاط الشبكات المرتبطة بالميليشيا ويربط مواجهة هذا النشاط بتتبع الصلات بين الموارد التي تجمعها في الداخل والجهات التي تستقبل تحويلاتها وتقدم لها الخدمات التجارية والمالية في الخارج.
وتظهر مقارنة أرقام التعريف البحري في القائمة اليمنية بسجلات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي �أوفاك� تقاطعاً في سفينتين على الأقل هما �روكي� المدرجة أمريكياً باسم �بلاك روك� برقم 9196448 و�شريا� برقم 9179347 بما يوفر بيانات محددة لمتابعة شبكات الشحن المرتبطة بهما مع الجهات الأجنبية المختصة.
ويحدد المحلل السياسي محمد العمدة متطلبات التحرك الخارجي في إعداد ملفات توثق مسارات الأموال والمستفيدين الحقيقيين وملكية الشركات والسفن والجهات المشغلة لها والدول التي تمر عبرها المدفوعات بما يمنح طلبات الملاحقة أساساً قانونياً قابلاً للاعتماد.
وتتطلب هذه الملفات في تقديره متابعة التغيرات في أسماء الشركات والسفن والأعلام والملكية الصورية مع التواصل مع البنوك وشركات التأمين والشحن وجهات التسجيل لمنع نقل الأنشطة إلى واجهات بديلة واستمرار انتفاع الأطراف المستهدفة بها.
وعلى مستوى التنفيذ يربط العمدة نجاح التحرك بتنسيق تقوده وزارة الخارجية مع الجهات القضائية والمالية والبحرية لتوجيه طلبات محددة لتبادل المعلومات والتحقيق والتجميد وفق قوانين الدول المعنية واستخدام قنوات المساعدة القضائية والتعاون بين وحدات المعلومات المالية.
ويعزز هذا المسار وجود مرجعية أممية سابقة إذ أصدر مجلس الأمن في 28 فبراير 2022 القرار 2624 الذي وصف ميليشيا الحوثي بالإرهابية وأدرجها كياناً خاضعاً لحظر السلاح المستهدف المنصوص عليه في القرار 2216 لعام 2015 مع إدانة هجماتها العابرة للحدود على السعودية والإمارات.
ويختص إدراج الميليشيا في ذلك القرار بحظر السلاح فيما ترتبط تدابير تجميد الأصول وحظر السفر بالأسماء المشمولة بها ضمن نظام العقوبات الأممي ويظل تنفيذ العقوبات الوطنية خارج اليمن مرتبطاً بقوانين الدول المعنية والتعاون القضائي والمالي معها.
وفي هذا الإطار يقترح العمدة إحالة الأدلة ذات الصلة إلى لجنة العقوبات المعنية باليمن وفريق الخبراء لبحث ما يدخل ضمن اختصاصهما بما يربط الملاحقة الوطنية بالآليات الدولية المتاحة.
وتحمل هذه الإجراءات دلالة سيادية لدى المحلل السياسي ورئيس تحرير موقع �الميثاق نيوز� مصطفى غليس الذي يربط استعادة الدولة بـ�استعادة السيادة على المال العام والمؤسسات والإيرادات والقرار الاقتصادي� ويرى أن الموارد الوطنية يجب أن تعود لخدمة اليمنيين وإنهاء توظيفها في تمويل الحرب.
حماية معاملات المواطنين
تبدأ حماية المعاملات المشروعة في قراءة الفودعي من المطابقة الدقيقة للأسماء والبيانات التعريفية والتحقق من المستفيد الحقيقي ويطالب بالتعامل مع تشابه الأسماء والعلاقات التجارية غير المباشرة باعتبارها حالات تستوجب الفحص والتحقق قبل اتخاذ إجراءات تمس أموال أطراف أخرى.
وتشمل الضوابط التي يقترحها آلية واضحة لمعالجة حالات الاشتباه والتطابق الجزئي وإجراءات للتظلم والتصحيح وفق القانون وتنظيم الالتزامات المشروعة التي قد تحتاج إلى ترخيص أو استثناء من الجهة المختصة بما يركز أثر القرار على المشمولين به ويحمي معاملات بقية العملاء.
ويحدد النجار غاية الإجراءات بقوله �نفصل شبكات التمويل غير المشروع عن النظام المالي والتجاري الحقيقي� ويرى أن الحكومة مطالبة بضمان استمرار التحويلات الأسرية واستيراد الغذاء والدواء والوقود وحماية هذه المعاملات من التعطل نتيجة القرارات مع تعزيز الرقابة على التجارة والحد من التهريب الذي قد تستغله الميليشيا.
وتؤدي آليات تنظيم وتمويل الواردات في قراءته دوراً في تتبع المدفوعات وتوفير السلع لمختلف مناطق اليمن فالتجارة التي ينفذها المستوردون النظاميون عبر القطاع المصرفي تخدم احتياجات السكان في مناطق الحكومة ومناطق سيطرة الميليشيا معاً.
وتحضر هذه الحماية أيضاً في التراخيص الأمريكية التي أبقت على أذونات تخص السلع الزراعية والأدوية والأجهزة الطبية والتحويلات الشخصية غير التجارية وفق شروطها بما يتيح استمرار المعاملات المسموح بها أثناء تطبيق العقوبات.
ويضع غليس الرهان النهائي في بناء منظومة متكاملة للتنفيذ والمتابعة الدولية تحول قوائم الأسماء إلى �أدوات ضغط حقيقية تستهدف مصادر قوة الميليشيا وتقلص نفوذها الاقتصادي� بما يجعل تعطيل موارد الحرب جزءاً من استعادة سلطة الدولة وحماية الاقتصاد اليمني.