تحليلات


الضغوط الدولية أوقفت معركة الحديدة عام 2018 تحت شعار منع المجاعة فيما تواجه تعز حصاراً حوثياً جديداً وسط تحذيرات إنسانية وتحليلات غربية تركز على أهميتها العسكرية والاستراتيجية
تعز والحديدة.. اختلال ميزان الدبلوماسية الغربية وازدواج المعايير الإنسانية في الإعلام الدولي

الأحد - 18 أكتوبر 2026 - 11:27 م

تعز والحديدة.. اختلال ميزان الدبلوماسية الغربية وازدواج المعايير الإنسانية في الإعلام الدولي

احداث العالم

محمد عبدالرحمن الحميدي

أعادت التطورات العسكرية والحصار الذي تفرضه ميليشيا الحوثي الإرهابية على مدينة تعز خلال أكتوبر الجاري، فتح ملف التفاوت في المواقف الغربية والتغطية الإعلامية الدولية بين مدينتين يمنيتين واجهتا الحرب في ظروف مختلفة، الحديدة التي استنفرت من أجلها العواصم الغربية والأمم المتحدة عام 2018 تحت عنوان تجنب الكارثة الإنسانية، وتعز التي تواجه منذ أكثر من عقد حصاراً وقيوداً على حركة السكان والإمدادات، فيما تتجه الأنظار الغربية اليوم إلى أهميتها العسكرية والاستراتيجية وتأثير معركتها على موازين القوى في اليمن وأمن البحر الأحمر.

وتكشف المقارنة بين الحالتين اختلالاً في ميزان الدبلوماسية الغربية وأولويات التدخل الدولي، إذ تحولت المخاوف الإنسانية خلال معركة الحديدة إلى ضغوط سياسية مباشرة أسهمت في وقف تقدم القوات اليمنية المشتركة المدعومة من التحالف العربي، بينما ظلت معاناة سكان تعز محكومة ببيانات الإدانة والتحذيرات الأممية والمفاوضات المتعثرة، رغم استمرار الحصار الحوثي وتجدد إغلاق الطرق الرئيسية المؤدية إلى المدينة.

ويظهر التفاوت أيضاً في زوايا المعالجة الإعلامية، فقد تصدرت المجاعة والأمن الغذائي ومخاطر توقف المساعدات عناوين الصحافة الغربية خلال معركة الحديدة عام 2018، في حين برزت الأهمية العسكرية لتعز وموقعها في معادلة السيطرة على عدن وباب المندب ضمن التغطيات التفسيرية الأخيرة، مع حضور متفاوت للمعاناة الإنسانية بين التقارير العسكرية والقصص الميدانية التي أفردت مساحات واسعة لأوضاع المدنيين.

الحديدة.. الخطاب الإنساني على الحسابات العسكرية

في نوفمبر 2018 كانت القوات اليمنية المشتركة بإسناد من التحالف العربي، تتقدم نحو مدينة الحديدة ومينائها بعد أشهر من العمليات العسكرية على الساحل الغربي، وسط مؤشرات ميدانية على اقتراب المعركة من مواقع استراتيجية داخل المدينة ومحيطها، قبل أن تتصاعد الضغوط الغربية والأممية المطالبة بوقف العمليات وإفساح المجال أمام المفاوضات السياسية.

وخلال تلك الفترة ركزت التغطيات الغربية على مخاطر توقف ميناء الحديدة، الذي كان يمثل منفذاً رئيسياً للواردات الغذائية والتجارية إلى مناطق واسعة من اليمن، وقدمت المعركة من زاوية تداعياتها المحتملة على ملايين السكان الذين يواجهون الجوع وتدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية.

وفي 20 نوفمبر 2018 نشرت صحيفة �الغارديان� البريطانية تقريراً تناول تجدد المعارك في الحديدة رغم الدعوات الأممية لوقف إطلاق النار، وربطت خطورة المواجهات باحتمال تعطيل الميناء الذي كانت تمر عبره نسبة كبيرة من واردات اليمن، محذرة من تفاقم المجاعة والكوليرا وتدهور الأوضاع المعيشية.

وفي اليوم التالي أفردت الصحيفة تغطية لتقديرات منظمة �أنقذوا الأطفال� بشأن احتمال وفاة نحو 85 ألف طفل دون الخامسة بسبب سوء التغذية الحاد خلال سنوات الحرب، وربطت المخاوف من اتساع المجاعة باحتمال تأثر حركة الواردات عبر ميناء الحديدة، في سياق حملة إعلامية وحقوقية واسعة للمطالبة بوقف القتال.

وقدمت هذه التغطيات مبررات إنسانية حقيقية تتصل باعتماد اليمن على الاستيراد وخطورة تعطل الإمدادات الغذائية، لكنها عكست في الوقت نفسه أولوية واضحة لحماية الميناء من تداعيات المعركة، على حساب النقاش المتعلق بالأهمية العسكرية لاستمرار السيطرة الحوثية على المدينة وموانئها وتأثير ذلك على مستقبل الحرب وأمن البحر الأحمر.

وتزامن هذا الخطاب الإعلامي مع تحرك سياسي قادته واشنطن ولندن والأمم المتحدة، حيث دعا وزير الخارجية الأمريكي آنذاك مايك بومبيو ووزير الدفاع جيمس ماتيس إلى وقف إطلاق النار، فيما كثفت بريطانيا اتصالاتها الدبلوماسية لدفع الأطراف اليمنية نحو المفاوضات.

وفي 15 نوفمبر 2018 نقلت وكالة رويترز عن مصادر أن التحالف العربي أصدر توجيهات بوقف الهجوم على الحديدة، وربطت الوكالة الخطوة بتصاعد الضغوط الغربية لوقف إطلاق النار، قبل أن تتوج المشاورات السياسية باتفاق ستوكهولم في 13 ديسمبر من العام نفسه.

ومع دخول الاتفاق حيز التنفيذ توقفت العمليات العسكرية الكبرى لاستعادة الحديدة، واستمرت سيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من المدينة وموانئها، بينما تعثرت الترتيبات الخاصة بإعادة انتشار القوات وإنهاء المظاهر العسكرية، وهي النتائج التي أصبحت لاحقاً موضع انتقادات في دراسات غربية تناولت اختلال موازين القوى وتطور التهديدات البحرية.

ويثير الموقف الغربي من معركة الحديدة تساؤلاً جوهرياً حول المنطق الذي حكم المخاوف الإنسانية آنذاك، فكيف تحولت استعادة الدولة اليمنية ميناءً سيادياً تابعاً لها من قبضة ميليشيا الحوثي الإرهابية إلى مصدر تهديد للأمن الغذائي ومخاوف من المجاعة، فيما كانت الميليشيا تستغل إيراداته وموارده لتعزيز قدراتها العسكرية، وتسهيل تهريب الأسلحة والمعدات العسكرية من الموانئ الخاضعة لسيطرتها.

وهل كان متوقعاً أن تقدم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، بعد استعادة الميناء، على إغلاقه وحرمان المواطنين من الغذاء والدواء والوقود، وهي المسؤولة عن تأمين احتياجات السكان في جميع المحافظات؟ لقد كان من الممكن معالجة المخاوف المرتبطة بتضرر الميناء وتعطل الواردات أثناء المعارك عبر ترتيبات دولية تضمن حماية منشآته واستمرار تشغيله وتدفق الإمدادات الإنسانية والتجارية تحت إدارة الدولة، مع توفير الرقابة والضمانات اللازمة.

غير أن الضغوط الدولية انتهت إلى وقف تقدم القوات اليمنية واستمرار السيطرة الحوثية على الميناء، لتكشف التطورات اللاحقة عن كلفة استراتيجية جسيمة، بعدما تحولت مناطق الساحل الغربي الخاضعة للجماعة إلى مواقع تستخدم في تهديد السفن والملاحة الدولية، وهو ما يعيد طرح السؤال عن المعايير التي جعلت المخاطر الإنسانية المحتملة لاستعادة الدولة ميناءها تتقدم على المخاطر العسكرية والأمنية الناجمة عن استمرار سيطرة الحوثيين عليه.

تعز.. الأهمية العسكرية تتصدر المشهد

بعد نحو ثماني سنوات من معركة الحديدة، عادت تعز إلى صدارة التغطيات الإعلامية الدولية مع تصاعد الهجمات الحوثية خلال أكتوبر 2026، عقب تقدم الجماعة في مناطق جنوب المدينة وقطع أجزاء من الطريق الرئيسي المؤدي إلى عدن، مما أدى إلى تشديد الحصار وتفاقم الأوضاع الإنسانية.

وفي 16 أكتوبر نشرت وكالة رويترز تقريراً تفسيرياً للصحفي أنغوس ماكدويل بعنوان �لماذا تعد معركة تعز مهمة إلى هذا الحد؟�، ركز على الموقع الاستراتيجي للمدينة بوصفها آخر معقل حضري رئيسي للقوات المناهضة للحوثيين في المرتفعات الجنوبية، وتأثير سقوطها المحتمل على قدرة القوات الحكومية على حماية عدن ومواصلة عملياتها في محيط باب المندب.

وأوضح التقرير أن سيطرة الحوثيين على تعز ستمثل تحولاً كبيراً في مسار الحرب، بالنظر إلى موقع المدينة بين المرتفعات اليمنية والسهل الساحلي، وأهميتها في تأمين الطرق المؤدية إلى العاصمة المؤقتة عدن، إلى جانب رمزيتها السياسية باعتبارها أحد أبرز مراكز المقاومة الشعبية للحوثيين.

وتناولت الوكالة الأزمة الإنسانية في قسم مستقل من التقرير، مشيرة إلى نزوح ما لا يقل عن 121 ألف شخص في محافظة تعز نتيجة المعارك الأخيرة، ونقص الغذاء والوقود والأدوية والمياه النظيفة، وارتفاع الأسعار مع إغلاق طريق عدن.

وتقدم بنية التقرير مثالاً واضحاً على حضور الاعتبارات العسكرية في المعالجة الغربية الراهنة، حيث يتصدر سؤال الأهمية الاستراتيجية المشهد، بينما يأتي توصيف الكارثة الإنسانية ضمن محاور تفسيرية لاحقة، في مدينة ظل سكانها يعانون تداعيات الحصار الحوثي منذ عام 2015.

وفي 17 أكتوبر، نشرت صحيفة �فايننشال تايمز� البريطانية تقريراً بعنوان �الحوثيون يطوقون هدفاً جديداً في الصراع مع القوات المدعومة سعودياً�، تناولت فيه تعز باعتبارها هدفاً عسكرياً مهماً، يرتبط بمستقبل العمليات اليمنية وإمكان وصول الحوثيين إلى مناطق الجنوب، مع الإشارة إلى القيود على الإمدادات وتدهور الظروف الإنسانية.

أما صحيفة �الغارديان�، فقد نشرت في 16 أكتوبر تقريراً نقل تصريحات لرئيس الوزراء اليمني السابق معين عبدالملك سعيد، حذر فيها من التداعيات الاستراتيجية لسقوط تعز على الأمن الغربي، وربط مصير المدينة بأمن باب المندب والطريق المؤدي إلى عدن، في معالجة وسعت أبعاد المعركة إلى المصالح الدولية والأمن الإقليمي.

ومع ذلك تكشف مراجعة التغطيات عن اهتمام إنساني مباشر لدى بعض الوسائل الغربية، فقد نشرت �الغارديان� في 15 أكتوبر تقريراً ميدانياً تناول نفاد الغذاء والوقود ومعاناة الأسر في البحث عن الدقيق، كما ركزت وكالة أسوشيتد برس على خوف السكان من تشديد الحصار ونقص الاحتياجات الأساسية، ونقلت رويترز شهادات إنسانية عن النزوح وتدهور الخدمات.

ويشير هذا التباين إلى اختلاف في ترتيب أولويات المعالجة الصحفية بحسب طبيعة المادة، إذ تتقدم الاعتبارات العسكرية في التقارير التفسيرية الموجهة لفهم نتائج المعركة على موازين القوى، فيما تحضر المعاناة الإنسانية بصورة أكثر وضوحاً في التغطيات الميدانية، وسط تساؤلات حول مدى قدرة هذا الحضور الإعلامي على توليد ضغط دبلوماسي مماثل لما شهدته الحديدة.

كارثة إنسانية وتحرك دولي محدود النتائج

تأتي هذه المعالجات الإعلامية في وقت تشير فيه البيانات الأممية إلى تدهور واسع في أوضاع سكان تعز، بعدما تسبب التصعيد العسكري وإغلاق الطرق في عرقلة وصول الغذاء والدواء والوقود والمساعدات الإنسانية.

وفي 14 أكتوبر الجاري حذر برنامج الأغذية العالمي من تعذر إيصال المساعدات المنقذة للحياة إلى نحو 800 ألف شخص في تعز ومناطق أخرى متضررة من القتال، بينهم أكثر من 600 ألف شخص داخل تعز يعتمدون على المساعدات الإنسانية، مشيراً إلى أن مخزونات دقيق القمح في بعض المناطق المعزولة أوشكت على النفاد.

وأوضح البرنامج أن عشر مديريات من أصل 16 مديرية شملها تقييم سابق للأمن الغذائي في تعز كانت مصنفة ضمن مستوى الطوارئ، محذراً من إمكانية تحول القيود المفروضة على وصول المساعدات إلى كارثة إنسانية واسعة مع استمرار المواجهات.

ورغم خطورة هذه المؤشرات، ما زالت الاستجابة الدولية المعلنة تتركز في الدعوات إلى فتح الطرق وحماية المدنيين وتسهيل الإمدادات الإنسانية، في ظل غياب ترتيبات تنفيذية جديدة تضاهي الآليات والضغوط السياسية التي رافقت وقف معركة الحديدة.

وفي 9 أكتوبر، أدانت بريطانيا أمام مجلس الأمن التصعيد العسكري الحوثي، وقالت نائبة مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة كيت فوستر إن القوات الحوثية تواصل حصار المدنيين في تعز وتهديد طرق الإمداد الحيوية، مما يفرض مزيداً من الضغوط على النظام الصحي المتدهور في المدينة.

ورغم وضوح الإدانة البريطانية، بقي الموقف في إطار التحرك الدبلوماسي والتحذير من تصاعد المعاناة الإنسانية، في وقت يعيد فيه الحصار الحوثي المتجدد طرح أسئلة حول فعالية الإجراءات الدولية وقدرتها على توفير ضمانات حقيقية لحرية حركة المدنيين ووصول المساعدات.

ستوكهولم.. اتفاق واحد ومعياران مختلفان

تظهر الفجوة بين الموقفين بصورة أوضح عند العودة إلى وثيقة اتفاق ستوكهولم نفسها، التي تضمنت ترتيبات تفصيلية لوقف إطلاق النار في الحديدة وموانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى، وإعادة انتشار القوات وإنشاء لجنة لتنسيق إعادة الانتشار برئاسة الأمم المتحدة، إلى جانب جداول زمنية وآليات للمتابعة والرقابة.

وفي المقابل اقتصر التفاهم الخاص بتعز على تشكيل لجنة مشتركة تضم ممثلين عن الأطراف والمجتمع المدني بمشاركة الأمم المتحدة، وتحديد آلية عملها ورفع تقرير إلى جولة المشاورات التالية، من دون تحديد جدول زمني ملزم لرفع الحصار وفتح الطرق أو ترتيبات تنفيذية مماثلة لتلك التي خصصت للحديدة.

ويكشف هذا الاختلاف في بنية الاتفاق مقدار التفاوت في الأدوات المخصصة لمعالجة أزمتين إنسانيتين داخل وثيقة دولية واحدة، حيث خضعت الحديدة لترتيبات مفصلة غيرت مسار العمليات العسكرية، فيما بقي ملف تعز مرتبطاً بمفاوضات ولجان تعثر عملها على مدى السنوات التالية.

وعلى الرغم من تضمين الاتفاق التزامات بشأن حركة المدنيين والبضائع في الحديدة، فقد استمر إغلاق الطرق الرئيسية في تعز سنوات طويلة، وسط مطالبات حقوقية متكررة للحوثيين بإنهاء القيود المفروضة على السكان وتسهيل وصول الخدمات الأساسية.

كارنيغي.. خطأ استراتيجي ظهرت نتائجه بعد خمس سنوات

تكتسب المقارنة بين تعز والحديدة بعداً إضافياً مع التقييمات النقدية التي بدأت تظهر داخل مراكز الأبحاث الغربية عقب تصاعد الهجمات الحوثية على السفن التجارية والملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن.

وفي 19 نوفمبر 2024 نشر مركز مالكوم كير كارنيغي للشرق الأوسط، التابع لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، دراسة للباحث اليمني إبراهيم جلال بعنوان �عملية أسبيدس أو مخاطر التوقعات المنخفضة في اليمن�، قدمت تقييماً نقدياً للسياسات الأوروبية تجاه الحوثيين والنتائج الاستراتيجية لاتفاق ستوكهولم.

واعتبرت الدراسة أن استمرار سيطرة الحوثيين على مدينة الحديدة وموانئها، الذي سمح به اتفاق ستوكهولم عملياً، شكل سوء تقدير استراتيجياً ظهرت نتائجه بعد خمس سنوات، مع تصاعد الهجمات البحرية وتعاظم قدرة الجماعة على تهديد حركة التجارة الدولية.

وأوضحت أن السيطرة الحوثية على معظم الحديدة أتاحت للجماعة المحافظة على الوصول إلى الأسلحة والمعدات العسكرية والوقود عبر موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى، واستخدام المناطق الساحلية في إطلاق الزوارق المفخخة والصواريخ والطائرات المسيرة والألغام البحرية.

وذهبت الدراسة إلى أن حصول معركة القوات اليمنية المدعومة من الإمارات لاستعادة الحديدة على دعم دولي كان سيحرم الحوثيين من موارد لوجستية وعسكرية ومالية مهمة، ويحد من قدرتهم على تهديد الملاحة عبر مضيق باب المندب.

وتحمل هذه القراءة أهمية خاصة لأنها تعيد تقييم أحد أبرز القرارات الدبلوماسية المرتبطة بالحرب اليمنية من منظور النتائج العسكرية والأمنية اللاحقة، وتربط استمرار السيطرة الحوثية على الساحل الغربي بتنامي المخاطر التي أصبحت تواجه المصالح الغربية نفسها.

وتظل فرضية نجاح معركة تحرير الحديدة في إنهاء التهديد البحري ضمن التقديرات التحليلية التي طرحها الباحث، في ظل عوامل أخرى أسهمت في تطوير القدرات الحوثية، من بينها الدعم الإيراني وشبكات التهريب والتصنيع العسكري وتطور تقنيات الصواريخ والطائرات المسيرة.

من حماية الميناء إلى حماية السفن

لم تتوقف دراسة كارنيغي عند نقد اتفاق ستوكهولم، فقد تناولت كذلك محدودية الاستجابة الأوروبية للهجمات الحوثية على الملاحة الدولية، وخصوصاً عملية �أسبيدس� التي أطلقها الاتحاد الأوروبي في فبراير 2024 لحماية السفن التجارية في البحر الأحمر.

وأشار الباحث إلى أن المهمة الأوروبية ركزت على حماية السفن واعتراض الهجمات البحرية، مع محدودية دورها في معالجة مصادر التهديد العسكري داخل اليمن، معتبراً أن السياسة الأوروبية تعاملت مع تداعيات الخطر أكثر من تعاملها مع الظروف التي سمحت باستمراره.

واستشهدت الدراسة بمرور أكثر من 250 سفينة تجارية تحت حماية المهمة الأوروبية حتى أواخر سبتمبر 2024، في وقت سجلت فيه حركة الملاحة عبر باب المندب انخفاضاً كبيراً مقارنة بعام 2023، مما عكس محدودية القدرة على استعادة المستوى السابق لحركة التجارة رغم انتشار القوات البحرية الدولية.

وتقدم هذه المعطيات مفارقة استراتيجية في تطور السياسة الغربية تجاه اليمن، إذ تحركت العواصم الغربية عام 2018 لوقف معركة الحديدة حماية لتدفق الإمدادات الإنسانية والتجارية، ثم اضطرت لاحقاً إلى نشر قطع بحرية عسكرية لحماية السفن من هجمات تنفذها الجماعة التي واصلت السيطرة على مناطق ومواقع استراتيجية في الساحل.

وكان الحوثيون قد بدأوا تنفيذ هجمات بحرية قبل اتفاق ستوكهولم، ثم توسع نطاق عملياتهم وقدراتهم خلال السنوات اللاحقة، وهو ما يجعل استمرار السيطرة على الحديدة واحداً من العوامل المهمة في تفسير تصاعد التهديد، إلى جانب التطور العسكري والتقني الذي شهدته الجماعة.

وفي هذا السياق، تنتقد دراسة كارنيغي غياب استراتيجية غربية شاملة لمعالجة اختلال موازين القوى في اليمن، وتدعو إلى تعزيز الشراكة الأمنية مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وتطوير قدرات خفر السواحل والمؤسسات العسكرية والأمنية المرتبطة بحماية البحر الأحمر وخليج عدن.

مصالح متباينة ومعايير متغيرة

توضح المقارنة بين الحالتين أن الموقف الغربي من الحديدة عام 2018 تأثر بأهمية الميناء في منظومة الواردات اليمنية، والمخاوف من المجاعة، إلى جانب الضغوط السياسية المتصاعدة على التحالف العربي والدول الغربية الداعمة له، في حين يرتبط التعامل مع حصار تعز اليوم بمسار الحرب الداخلية والقدرة على التأثير في القرارات العسكرية الحوثية.

وكانت واشنطن ولندن تمتلكان عام 2018 قنوات تأثير مباشرة على التحالف العربي والقوات المدعومة منه، الأمر الذي أتاح ممارسة ضغوط سياسية أسهمت في وقف الهجوم، بينما تواجه المطالبات الدولية بفتح طرق تعز سلطة حوثية تواصل استخدام الحصار والتقدم الميداني ضمن أدواتها العسكرية والسياسية.

لكن اختلاف أدوات التأثير يطرح إشكالية تتعلق بفعالية الموقف الدولي من حماية المدنيين، خصوصاً مع استمرار حصار تعز رغم عشرات الإحاطات والبيانات والمبادرات الدولية، في مقابل نجاح الضغوط السابقة في إيقاف عمليات عسكرية واسعة خلال فترة قصيرة.

كما يكشف التحول في أولويات المعالجة الإعلامية أن التغطية الغربية تتأثر بطبيعة المصالح والمخاطر المرتبطة بكل جبهة، حيث اكتسبت الحديدة حضوراً إنسانياً كثيفاً بفعل ارتباط مينائها بالأمن الغذائي الوطني، بينما يجري تناول تعز في بعض أبرز التقارير الأخيرة ضمن حسابات السيطرة على المرتفعات الجنوبية وتأمين عدن وباب المندب ومستقبل الحرب.

ومع تزايد التهديدات الحوثية للملاحة الدولية والمنشآت الاقتصادية في المنطقة، أصبحت أهمية المدن والموانئ والممرات اليمنية أكثر ارتباطاً بالأمن الإقليمي والدولي، في تطور يعيد إلى الواجهة التساؤلات بشأن النتائج طويلة الأمد للسياسات الغربية التي اعتمدت على وقف التصعيد العسكري دون ضمان تنفيذ التسويات السياسية والأمنية.

وتقدم تجربة الحديدة مثالاً على تعقيدات هذه المقاربة، فقد أسهم وقف العمليات في تجنب مخاطر إنسانية كبيرة كانت تحذر منها المنظمات الدولية، فيما أتاح تعثر تنفيذ الاتفاق استمرار اختلال موازين السيطرة العسكرية على الساحل، مع بقاء القدرة الحوثية على تهديد الملاحة وتطوير الوسائط العسكرية خلال السنوات اللاحقة.

أما تعز، فتقدم نموذجاً آخر لقصور الاستجابة الدولية، بعدما تحولت المطالبات الإنسانية بفتح طرق المدينة إلى ملف تفاوضي طويل، بينما ظل المدنيون يواجهون القيود على الحركة وارتفاع تكاليف المعيشة ونقص الخدمات، وصولاً إلى تجدد الحصار بصورة أشد مع التصعيد العسكري الأخير.

تعز تعيد اختبار الموقف الدولي

بعد ثماني سنوات من اتفاق ستوكهولم، تقف تعز والحديدة مجدداً في قلب النقاش المتعلق بفاعلية الدبلوماسية الغربية ومعايير حماية المدنيين في اليمن، في وقت تكشف فيه التطورات العسكرية والتهديدات البحرية عن ترابط المعركة البرية مع أمن الممرات البحرية والمصالح الإقليمية والدولية.

وتشير الوقائع إلى أن المجتمع الدولي استطاع ممارسة ضغوط مؤثرة لوقف معركة الحديدة عام 2018، بينما ظلت جهوده لإنهاء حصار تعز عاجزة عن تحقيق نتائج مستدامة، وهي فجوة تعزز الانتقادات الموجهة إلى السياسات الدولية التي تتفاوت أدواتها بين الأزمات تبعاً لطبيعة المصالح والقدرة على التأثير.

وفي ضوء التقييم النقدي الذي قدمته دراسة كارنيغي لنتائج اتفاق ستوكهولم، تتجاوز القضية حدود المقارنة بين مدينتين إلى مراجعة أوسع للسياسات الدولية تجاه اليمن، ومدى قدرتها على الجمع بين حماية المدنيين ومعالجة التهديدات الأمنية والعسكرية التي يؤدي استمرارها إلى تجدد الحروب والأزمات الإنسانية.

وتبقى تعز اليوم أمام اختبار إنساني وسياسي مباشر لجدية المجتمع الدولي في التعامل مع الحصار الحوثي، بعدما أثبتت تجربة الحديدة أن التدخل الدبلوماسي قادر على تغيير مسار العمليات العسكرية عندما تتوافر الإرادة السياسية وأدوات الضغط.

والسؤال الذي تعيده تعز إلى الواجهة: لماذا تحولت المخاوف من مجاعة محتملة في الحديدة إلى ضغوط دولية أوقفت المعركة، بينما تتواصل معاناة مئات الآلاف من سكان تعز تحت الحصار الحوثي من دون إجراءات دولية مماثلة تضمن فتح الطرق وحماية المدنيين؟






شاهد ايضا


وزير الشؤون الاجتماعية يثمن دعم مصر للسعودية ويتطلع إلى موقف عربي يعزز ...

الإثنين/19/أكتوبر/2026 - 12:24 ص

ثمن وزير الشؤون الاجتماعية والعمل مختار اليافعي الموقف المصري بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي وما أقره مجلس الدفاع الوطني المصري من تضامن كامل مع السعو


وزير التعليم الفني يرحب بدعم مصر للسعودية ويدعو إلى اصطفاف عربي ...

الإثنين/19/أكتوبر/2026 - 12:00 ص

رحب وزير التعليم الفني والتدريب المهني الدكتور أنور كلشات المهري بموقف القيادة المصرية ممثلة بالرئيس عبدالفتاح السيسي والحكومة ومؤسسات الدولة في مساند


مجلس الشورى يرحب باستعداد مصر للمشاركة في الدفاع عن السعودية ...

الأحد/18/أكتوبر/2026 - 11:34 م

رحب رئيس مجلس الشورى الدكتور أحمد عبيد بن دغر بموقف القيادة المصرية ممثلة بالرئيس عبدالفتاح السيسي واستعدادها للمشاركة في الدفاع عن أمن المملكة العربي